متفرقات/ أنطوني ولسن

أولا : البحث عن الذات
  منذ المرة الأولى التي رأى الأنسان فيها صورته على سطح الماء وهو يشرب . وظن وقتها أن الذي يراه ما هو إلا عدو قادم من أعماق المياه . فأخذ يبعده ويضربه إلى أن إكتشف انها صورته فاعجب بها وهام وبدأ محاولة رسم نفسه وتخليدها في لوحة أو تمثال .
  استمر هذا الأنسان يبحث عن ذاته ويحاول ان يجدها في العمل الذي يقوم به.
البعض تعجبه الصورة التي يجد نفسه فيها في عمله . والبعض يتمرد على رزقه ويبحث عن ذاته في اماكن اخرى وفي أعمال عديدة متعددة ومختلفة .
  في وسط هذا البحث بدأت الأختراعات والأكتشافات . وتغير وجه الكرة الأرضية وتغيرت معالم الحياة . اختفت أشياء وطفت أشياء جديدة . ما كان محرما صار مسموحا به ، وما كان ممنوعا أصبح مستباحا وغير ممنوع .
  كل هذا لأن الأنسان مازال يبحث عن ذاته . وفي أثناء البحث قد يعمر وقد يدمر . يدمر مثل ما حدث في لبنان " الله لا يعيدها مرة أخرى " . لأن الحرب اللبنانية ليست حربا دينية . ولن تكون . لكنها حرب البحث عن الذات . انها حرب زعامات ورئاسات  وكل منهم ينطبق عليه القول الأنجليزي :
EVERY BASTARD IS A KING  ولذا وجدوا ذواتهم في استمرارية الحرب واستمرارية نزيف الدم ، واستمرارية التشرد والجوع وارتفاع الأسعار . ونحمد الله على توقف التدمير وعاد اللبناني الى التعمير .
  وفي مصر يأخذ البحث عن الذات اشكالا مختلفة . الأنفجار السكاني الذي يقضي على الأخضر واليابس ويجعل من الحياة جحيما لا يطاق . كفاح الناس على أشده . كل يحاول ان يعمل ويحقق حلمه . بعضهم وجد ذاته في الشهادة الجامعية التي يحصل عليه بعد جهد وسهر الليالي . والآخر خرج عن الدراسة وبحث عن ذاته في الصناعة والأعمال الحرة .
  ازدادت الحياة صعوبة واصبح المتعلم وغير المتعلم لا يستطيع أن يجد ذاته امام طوفان الرذيلة الذي يغدق على أتباعه المال والجاه والمركز المالي وظل أصحاب المباديء والمثل العليا يناطحون الحياة الضرورية دون الوصول الى أهم ضرورياتها لقمة العيش .
  في هذا الجو المشحون بكل ما هو دخيل على مصر . يحاول الشباب البحث عن الذات فلا يجدها . فينطوي على ذاته ألما وحسرة . وعرف سماسرة الخراب والدمار هذا وبدأوا يبثون السموم فيهم . سموم الفتنة والتفرقة لضرب مصر من الداخل .
  وراء البحث عن الذات يتوهم الواهمون انهم وجدوها في تلك التنظيمات وبتلك الألقاب التي يطلقونها عليهم . ومثل عصابات المافيا من يدخل لا يستطيع أن يخرج . وهنا المصيبة التي يقع فيها الأبرياء ضحايا الغلاء ووحش التسابق مع الأرانب في الأنجاب . فهل يتعظ الناس ؟ لا أظن !.. لأننا شعب مسكين بكلمة نرضى وبكلمة نغضب . وما أكثر الكلام الذي يرضي .. والكلام الذي يغضب .
  كم أتمنى أن نبحث عن ذواتنا خلال الخير والعمل الصالح ونثبت للجميع اننا على قدر المسؤلية . وأن ما يحدث في مصر الأن ما هو إلا بحث الشيطان عن ذاته داخل النفوس الشريرة الضعيفة المختبئة داخل عباءة الدين . أما الخيرون منا فعليهم بذل الجهد ومضاعفته لأثبات أن شقي الأمة في مصر لا يمكن فصلهما عن بعض لأنهما اخوة وأشقاء وأبناء نيل واحد وتربة أرض مصر الغالية تجمعهم ولا تفرقهم .
ثانيا : الأيمان والحرية
  الأيمان والحرية مثل توأمي سيامي المشهورين ، لا يمكن فصلهما عن بعضهما . لأن توأمي سيامي لهما قلب واحد يمدهما بالدم والحياة . فإذا فصلنا احدهما مات الأخر وقد يموت الأثنان بعد هذا الأنفصال .
  الأيمان والحرية يغذيهما قلب واحد هو الحب . فلا يمكن من وجود ايمان بدون حب ولا يمكن ان تكون حرية بدون حب . فالحب أساسي لكليهما .
  والأيمان ليس فقط كما يتبادر الى أذهاننا أنه الأيمان بالله العلي القدير عن طريق الأديان . لا .. ليس هذا فقط تحمل هذه الكلمة من معنى وان كان هذا الأيمان الديني هو فوق اي ايمان أخر . وقد يكون الأيمان لفكرة ، لعقيدة ، لعمل تقوم به ، لنظرية علمية ، أو اجتماعية ، أو إقتصادية . أو لأي شيء يقتنع به عقل الأنسان ويؤمن به .
  والحرية هي الضمان لهذا الأيمان في النمو الطبيعي والظهور والإثمار . فإن توافرت الحرية لعقيدة ما أو لفكرة ما ، نمت هذه العقيدة وانتشرت هذه الفكرة وبدأ الحوار والنقاش حولها وأخذ المعارض مثل المؤيد كل يقول رأيه في حرية تامة وهذه الحرية هي المحك لهذه العقيدة أو هذه الفكرة أو النظرية في الأستمرار ان كانت مبنية على أساس سليم . وتعود على الأنسان عامة بالخير والأمان في الحياة التي نعيشها على الأرض .
  أما إذا كانت هذه العقيدة أو الفكرة أو النظرية ليست قوية ، فالحرية تعمل اما على تعديلها وايضاح نقاط الضعف فيها ، واما أن تندثر وتموت وتفسح المجال للأكثر فائدة للأنسان .
  لو نظرنا الى الماركسية لوجدنا انها نظرية أو فكرة اقتصادية اجتماعية عقائدية . عندما فكر فيها كارل ماركس وأمن بها لينين وسنحت الفرصة في الأتحاد السوفيتي لتطبيقها ، لكنها لم تطبق على أساس الحرية بل طُبقت على الأساس العقائدي . استمر العمل بهذا النظام الذي سمي الشيوعي لفترة طويلة . لكنه في أخر الأمر فاحت رائحة العفن الموجودة في النظام المولود ميتا . لأنه لم يولد في جو الحرية . لأن الحرية هي الروح لأي ايمان لو اعتبرناه جسدا والعكس .
  يأتي القلب الذي يغذي توأمي سيامي وهو بالنسبة للأيمان والحرية هو الحب ، إيمان بلا حب ميت . لأن الحب جاء من الله " الله محبة " . واذا كان الأيمان بالله هو أسمى انواع الأيمان فلا يمكن أن يكون ساميا بدون الحب . والحب لا يمكن ان يفرق بين جنس وجنس أو دين ودين أو إنسان دون إنسان . لأن الله الذي هو محبة وخالق كل المخلوقات بما فيها هذا الأنسان الذي يتعصب لهذا ويحب ذاك ويكره ويضطهد "على مزاجه " .
  كذلك هذا الحب يغذي الحرية ، لأن الحاكم الذي يحبه شعبه وينتخبه لتولي شؤونه لا بدّ وأن يعمل هذا الحاكم على الحفاظ على هذا الحب الذي أولاه شعبه إياه ولن يكون هذا الا تحت راية الحرية . وهذا ينطبق على كل شيء تحميه الحرية ان كان عقيدة أو فكرة أو نظرية . فإذا انعدمت هذه الحرية فلن يكون حب بينهما . واذا ضاع الحب بين الحاكم والمحكوم. ضاعت الثقة بينهما . واذا ضاعت الثقة تتحول الحياة الى غابة القوي يأكل الضعيف فيها . ولا أمان للأنسان في هذه الغابة التي لا يسكنها سوى وحوش ، وحوش آدمية حوّلها عدم وجود الحب بينها أخيرا الى حيوانات مفترسة . وفي مثل هذه الغابة تأخذ هذه العقيدة أو الفكرة شكلا آخر مختلفا عما وجدت من أجله العقيدة أو النظرية .
  مصر الأن وفي هذه الحقبة التاريخية الحرجة والتي أمست وأصبحت منذ 25 يناير 2011 ، ونحن على أبواب 25 يناير عام 2013 ، وهي تعاني ويعاني الشعب الكثير بسبب عدم الأستقرار وعدم وضوح الرؤيا بالنسبة لما تنوي عليه الجماعات الأسلامية وعلى رأسها جماعة الأخوان والرئيس الدكتور محمد مرسي  ، والتخبط في اتخاذ القرارات مع وجود نوع من الرغبة في الأستحواز على جميع مؤسسات الدولة المصرية  وتحويلها الى فكر وعقائد هذا  الفصيل من المصريين . وكأن لا حق لأحد من بقية الفصائل السياسية التي تسعى الى ترسيخ معنى الحرية بين أبناء مصر . وإيجاد نوع من التساوي بين الناس في الحقوق والواجبات والتأكيد على حق المواطنة لكل المصريين ولا تفرق بين مواطن وأخر بسبب الدين أو العقيدة أو اللون أو الجنس ، والتي يخشى عليها من سيطرة التيارات الدينية والتركيز على الدين والإيمان الأسلامي متجاهلين ، بل ومهددين للآخرين الذين لا يتبعون نفس الدين . ولا يؤمنون بنفس الأيمان فيصبحون مهددون من الفصيل الذي ينوي أن يكون هو صاحب السلطة المطلقة يُكفر من يُكفر ، ويوليّ السلطة  لمن يشاء من أتباعه وأهل الثقة . حتى لو لم تكن لديهم  الحنكة السياسية أو إدارة شؤون البلاد . ولا نجد مكانا في مصر لـ
الأيمان والحرية
  وهنا تكون الكارثة . وبداية التفكك والأنقسام التي ظهرت في إعلان حركة " كتالة النوبية " ، عن تكوين أول حركة انفصالية مسلحة للدفاع عن الهوية النوبية . وهي الأولى من نوعها وتهدف الى انفصال أسوان والنوبة من حكم الأخوان .
وقد تتبعها شمال وجنوب سيناء وتطالب كل منها بالأنفصال عن حكم الأخوان . وما خفي يكون أعظم .
إحفظ بلدنا يارب

CONVERSATION

0 comments: