في باطن الجحيم*/ د. عدنان الظاهر

( رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال من 1987 1988 ) كتبها سلام عبد إبراهيم / كاتب وقاص وروائي عراقي معاصر.
هل كتب أحدٌ قبل سلام إبراهيم تفصيلاً عن حملة الأنفال من بين ضحاياها ومن عايشها من الأنصار العراقيين الشيوعيين وأبناء كردستان ؟ ليس عندي جواب .
قسّم كتابه هذا إلى ثلاثة أقسام رتّبها كما يلي :
القسم الأول : مع مُحقق الدولة الدانمركي
ـ عندما أدخلني الدكتاتور في الجحيم ـ
القسم الثاني : مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي
ـ عندما أدخل الدكتاتور رفاقي في الجنون ـ
القسم الثالث : التشرّد ـ ما لم يطلبه المحققون ـ
كتب سلام روايات أخرى غير قليلة سبقت روايته هذه " في باطن الجحيم " وكان فيها جميعاً الكاتب المتمكّن من فن السرد الروائي وكان فيها الرجل الشجاع الصادق غير الهيّاب ولا يخشى ذكر كلمة الحق. أراه بهذا الصدد يتفوّق على غالبية الروائيين العظمى الذين يكتبون شيئاً ويُخفون الكثير عجزاً أو تحفّظاً أو حياءً. ثم لصدقه فيما يقول أفضلية كبيرة على بعض الأدباء الذي يدارون ويلفون ويكذبون ويتخفون وراء سُتُر وحُجب كاذبة مُهلهلة ليخفوا حقائقَ ما هم فيه. من هؤلاء أديب قضى عقوداً من عمره قزماً خنيثاً ضئيلاً يتنعم بحماية حزب البعث في قطر عربي وتزكيات السفارة العراقية في ذلك القطر . وبعد سقوط البعث وصدام حسين صار يكتب عن ملاحقة مخابرات البعث وشرطة أمنه لمعارضيه واغتيال بعضهم في شوارع بعض عواصم العرب ! أراد بهذا الصنيع الخبيث المكشوف أن يستر عورته بذكره لبعض سوءات وجرائم نظام البعث ولكن هيهات هيهات فهذه العناصر معروفة وسُبل ووسائل تسلّقها السلالم هي الأخرى معروفة ومكشوفة. سلام إبراهيم عراقي أصيل نقي مقاتل واضح الإنتماء جمع بين مواهبه الروائية وقتاله لحكومة البعث نصيراً في جبال كردستان فشتّان ما بين روائي موهوب مقاتل مؤمن بمذهب وعقيدة فكرية ـ سياسية وأفندي خنيث مخصيّ وكاذب ومزوّر لا يهتمُّ إلاّ بصبغ بياض شعر رأسه والكتابة عن بعض سماسرة البعث من الرجال والنساء. الفروق كثيرة بين النظافة والقذارة ، بين البطل المقاتل والخنيث الخبيث الخفيف الميزان. 
أعود لسلام وما كتب في كتابه المثير الجديد الذي سمّاهُ بالإسم الواضح الذي يستحق [ رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال ... ].
أبدع سلام في القسمين الأول والثاني من روايته : مع محقق الدولة الدنماركي و مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي حيث جمع بين موهبته الروائية وأدق تفاصيل إجراءات المحاكم واستجوابات المحققين وعرض مفاجآت لا يتوقعها أحدٌ من قرّاء هذه الرواية ـ الملحمة المكرّسة أصلاً لكشف جرائم وفضائح نظام حكم حزب البعث العراقي خاصة زمان تفرّد صدّام حسين بالسلطة. إنها وثيقة الوثائق القانونية المزوّدة بالشهادات الحيّة وبأفلام فيديو حصل عليها محققون ومحامون وقُضاة من الدنمارك وهولندا فضلاً عن أحد ضحايا إستخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً ضد معارضيه ممن كانوا يقاتلون في جبال كردستان في ثمانينيات القرن الماضي ... أعني السيّد الأستاذ سلام عبد إبراهيم نفسه. نعم ، كتب البعضُ ممن شاركوا أنصاراً في القتال في جبال ووديان وغابات كردستان، كتبوا ولكنَّ ما كتبوا لا يرقى أبداً إلى مستوى ما كتب وثبّتَ سلام إبراهيم أبداً أبداً. المقاتلون شيوعيون أعضاءٌ في نفس الحزب لكنَّ الفرق بينهم هو مجموع الفروق بين ما يملكون من مواهب أدبية وقدرات على التعبير والتصوير وفيما يتمتعون به من عمق في الشعور وإحساس بحجم المأساة التي تعرّضوا لها هم في الجبال وعموم العراقيين في باقي أنحاء العراق. ليس كلُّ من كتبَ أبدعَ وصدقَ فنجحَ، هنا يبرز العامل الذاتي كما قال المتنبي :

فإنَّ في الخمرِ معنىً ليس في العنبِ
ناهدة جابر جاسم /
من هي هذه الشابة المقاتلة التي هجرت مدينتها وأهلها والتحقت بثوّار الجبال فأصيبت بالسلاح الكيميائي وعانت منه ما عانت وما زالت منه تعاني ؟ إنها النصيرة " بهار " رفيقة وزوج سلام إبراهيم . ما كانت دوافعها للتضحية بحياة  المدينة والأهل ونعومة العيش الرغيد للإلتحاق بالثوّار في ظروف غير عادية وغير مألوفة لا يتحملها إلاّ رجال الرجال ؟ عاملان إثنان رئيسان عندها لا ينفصلان : زوجها سلام الشيوعي وإيمانها المبُكّر العميق بالشيوعية. فهمت أنَّ أنَّ ابناء عمومتها سجنهم البعثيون عشرين عاماً لأنهم كانوا من الشيوعيين المعروفين في مدينة الديوانية وسط العراق، ولا أستبعدُ أنْ يكونَ هذا عاملاً ثالثاً رفع فيها قوّة التحدي والمغامرة وقبول كافة ما قد تؤول إليه تجربة مشاركتها في حرب الأنصار ( البيش مركة ) في جبال كردستان العراق. فضلاً عن جريمة قتل الفنان الشاب كفاح إبراهيم شقيق سلام. 
إقترنت السيّدة ناهدة بسلام حين كانت ما زالت صبيّة في السابعة عشرة وأنجبت منه طفلاً أسمياه " كفاح " لكنهما ضحّا فتركاه مع ذويهما وتسلقا الجبال الشديدة الوعورة والكثيرة المخاطر مقاتلين الطاغوت من أجل عراق أفضل وأجمل [ وطنٌ حُرٌّ وشعبٌ سعيدٌ ]. سلام النصير المقاتل الباسل أجاد في وصف رفقته لأم كفاح هناك في قمم الجبال ومنحدرات السفوح وخرير الماء والجداول في الوديان  وتحت غارات وقصف طائرات وصواريخ الجيش العراقي كما أجاد في تفصيل حياة المقاتلين في حالات الإشتباك مع العدو وفي ساعات الراحة ولعب الكرة أو إعداد الطعام للمفارز والأفواج أو نقل البريد الحزبي. مزج سلام ببراعة نادرة بين حبّه لرفيقة عمره النصيرة " بهار " وواجباته القتالية اليومية كأنَّ القتال لديه وجه آخر للحب والإخلاص لشريكة العمر. لا معنى للقتال بدون حب ولا حبَّ بدون قتال مشروع لإحقاق الحق وإنقاذ العراق والشعب العراقي من ظلم حاكميه. حبّه لزوجه النصيرة المقاتلة لم يشغله عن شؤون ومعاناة بقية الرفيقات النصيرات المقاتلات العربيات والكرديات واليزيديات خاصة مّنْ فقدن أزواجهنَّ هناك في مواجهات قتالية أو جرّاء التعرض للأسلحة الكيميائية. أنقلُ نصّاً صوّر سلام فيه حدثاً بعينه يقرأه المرءُ فلا ينساه مدى عمره. شاركت " بهار " ناهدة ، فيه ولعبت دوراً مع أرملة يزيدية أُستشهد زوجها هناك في أعالي جبال كردستان. أقرأه فإخال نفسي أُشاهدُ فيلماً مُصوّراً بالألوان كل من وما فيه يلعب دوراً : الأنصار الشيوعيون المقاتلون من قوميات متعددة والمرأتان العراقيتان الجنوبية والشمالية والجبال وقبور الشهداء المتواضعة :
[[ في أواخر الشهر السادس 1988 كنّا نتناول وجبة الغداء حينما لمحنا من المسلك الهابط من قمّة العمادية ثلاثة مسلحين وامرأة بثوبها الكردي الفضفاض يهبطون مسرعين، تبينَ أنهم من الفوج الأول المُرابط في وادٍ من أودية جبل ـ كارا ـ. المرأة كانت زوجة الشهيد ـ أبو فؤاد ـ الذي قضى في القصف الأول للموقع 1987 ، جاءت تزورُ قبره بمناسبة مرور سنة على مقتله.
كيف أصف المشهد ؟!
كيف ؟!
سأحاولُ رغم المرارة رسم المشهد من جديد، لعلَّ من يشاهد المحاكمة ( محاكمة صدام حسين ، دأب سلام على متابعتها على شاشة التلفزيون ) يُدركُ معي مقدارَ لا إنسانية هذه الطُغمة التي تتمسكن أمام العدالة مُصوِّرةً نفسها وكأنها لا تُدركُ ما كان يجري وتعتقد أنها كانت تمارس واجباً وطنياً.
الموقع يُطلُّ على مجرى نهر الزاب الأعلى، على رابية متدرجة يبدو انها كانت في أوقات السلم مزارع عامرة تحولت وقت الثورة والهجرات إلى ساحات عشبية مُتدرّجة من الرابية وحتى ساحل المجرى في مسطحات تمتدُّ لأكثر من عشرة أمتار. على المسطح التالي لفسحة رابية موقع الإسناد دُفنتْ جثتا أبو فؤاد وأبو رزكار وعادةً ما يقومُ الرفاق بوضع الزهور على قبري الشهيدين بين الحين والحين. لم يُكتب شئ على الشاهدتين لكنَّ الكلَّ يعلم من يرقد على اليسار ومن يرقد على اليمين. كنتُ أُحسُّ أنَّ المرقدين مدفونان بقلبي حتى أني الآن لحظة الكتابة أراهما تحتي وكأني عُدتُ إلى تلك اللحظات المدمرة حينما كنتُ أضع باقتي زهور بريّة وأُكلّمهم عمّا جرى في غيابهم مُستذكراً كل الأحباب الذين غابوا في المعتقل أو قُتلوا في المعارك. 
قدّمنا لهم الطعامّ، كنتُ أختلسُ النظر إلى وجه أم فؤاد التي رفضت بشدّة تناولَ الطعام مكتفية بجرعة ماء بلّت فيه ريقها الذي بدا ناشفاً. كنتُ أتتبعُ الماء الذي تحاولُ بلعه بعناء إذْ يتكسّر وجهها ألماً.
قلتُ مع نفسي :
سيكونُ هذا اليومُ عسيراً !!
في إلتحاقي الثاني بالثوّار شباط 1985 ومعي زوجتي حللنا ضيوفاً في بيتهم في قرية صغيرة أُقيمتْ على عَجَل تجاور الفوج الأول تجمّعتْ فيها عائلات البيشمركة اليزيديين التي هجرتها السلطة من قُراها، إذْ كُلّفَ ـ أبو فؤاد ـ بتوصيلنا إلى مقر القاطع، فرأيتُ مدى عمق علاقة الشهيد بها، كان لا يكفُّ عن المزاح معها مزاحاً لطيفاً يجعل وجهها يتهللُ سعادةً. كان لديهم جوقة من الأطفال، أحدهم أُرسلَ إلى ـ الإتحاد السوفيتي ـ للدراسة .. وهو وحده مَنْ نجا من العائلة إذْ ستضيعُ جميعها في مقبرة جماعية لم تُكشفْ لحد الآن. وهذا ما سأحاولُ إلقاء الضوءَ عليه لاحقاً.
ما أنْ فرغنا من الوجبة حتى سألتْ عن قبره. إرتبكت الوجوه، ورحنا نحملق الواحدُ في وجه الآخر منتظرين مبادرة أشجعنا . كررت السؤال مرةً ثانية وثالثة فهبطت قلوبنا إلى أسفل أقدامنا ممعنين بالصمت، هاربين بعيوننا إلى القمم والسفوح وذرى الأشجار الشاهقة ... إلى أنْ أنقذتنا ـ بهار ـ مُجيبةً :
ـ سآخذكِ إليه !
قادتها من ذراعيها وتوجّهت صوبَ المسلك الهابط جوار مجرى النبع. تبعها المقاتلون الثلاثة الذين قدموا معها. خطوتُ خلفهم متردداً. إنحرفتُ يميناً مبتعداً عن المسلك الهابط. تلفّتُ فوجدتُ رفاق الموقع جميعهم يتوجهون صوبَ الحافة المطلّة على فسحة القبرين. يتابعون بعيونهم المضطربة الموكب المكوّن من المسلحين الثلاثة السائرين خلفَ زوجة الشهيد يهبطون تتقدمهم بهار. إستداروا صوب الفسحة الصغيرة الممتدة على مسافة عشرة أمتار فقط. أبطأوا الخطو. سحبتها زوجتي برفق من معصمها الناحل إلى أنْ وقفتا امام القبرين ورأيتها تجثو نحو كومة التراب المرتفعة قليلاً.
كانت الشمسُ ساطعةً في ذلك اليوم تُضفي على المشهد وضوحاً يركزُ في الذاكرة.. تحجّر نظري على وقفة الأرملة التي كانت تنتظر عودة زوجها من العلاج بعدما تعرّضّ لمحاولة إغتيال قبل عامين إذْ دسَّ رفيقٌ تعاون سرّاً مع السلطات سُمَّ الثاليوم في كوب لبن. قاومَ ونجا بعد علاج لمدة عام في إيران. كان في طريق عودته للقاء العائلة فحلَّ في الموقع على أنْ يَبيتَ ليلته ليواصل في الصباح الباكر طريقه إلى الفوج الأول في وادي ـ مراني ـ بكارا. وفي ذلك الغروب قصفت الطائرات العراقية ـ زيوة ـ بالغازات السامة. ومن سوء حظه أنه كان يجلس على حافة موقع سقوط القذيفة التي أعمته على الفور وغيبته بعد ساعات ست إلى الأبد.
أرى الآن وأنا أُشرف من الربوة قامات الرجال الذين لم يجرأوا على الإقتراب فبقوا على مبعدة أمتار إلى يمين ويسار المرأتين الواقفتين أمام القبر. رجعت زوجتي خطوتين وتركتها وحيدة وتحتها يرقدُ حلمها المستحيل نائماً في التراب. طال الصمتُ وسكونُ قامتها المتماسكة المصلوبة جوارَ كومة التراب.
ـ هل كانت تخلقه من جديد في ذاكرتها ؟!
هذا ما بتُ متأكّداً منه وما حدثَ معي حينما زرتُ العراق 2004 ووقفتُ أمام قبر أمّي وأبي اللذين قضيا وأنا في المنفى!
كنتُ غيرَ مُصدّق بأنهما يرقدان هنا خلف حائط من الجص والآجر في سرداب صغير ضائع بين بحر من القبور في مقبرة ـ السلام ـ في النجف.
تلفتُ حولي فوجدتُ رفاقي موزعين خلف شحيرات الحافة مثلَ مَنْ يخافُ من شئ يلوحُ تحتنا على لوحة الفسحة الصامتة. رجال بأسلحتهم المتدلية على الجنب، زوجتي المنتظرة، قامة الأرملة الجامدة بثوبها الفضفاض الطويل وكأنها تؤدي صلاةً ما سريّة ! وخلفها غابة صغيرة فالنهر الدافق ثم سفح قائم وكأنه جدار يرتفع عالياً أمامنا. وحده دويُّ مجرى الزاب الهادر يتردد صداهُ في الوادي.
هل كانت بصمتها الطويل الذي أربكنا ووتّرنا تمارس طقساً من طقوس الموت لدى الطائفة اليزيدية ؟! لا أدري ! لكنَّ تلك اللحظات أشعرتني بفداحة الفقد المباغت لمحب حميم.
لا أدري كم من الوقت ظلت ساكنة كتمثال من حجر .. فزمن تلك اللحظات زمن مختلف لا يُقاس.
كنتُ أحبسُ صُراخي مستذكراً أحبابي الذين ضاعوا في المعتقلات !
كنتُ أحبسُ دمعي متخيلاً ألمَ كل عراقية فقد زوجها غيلةً !
كنتُ أحبسُ هاجسي متخيلاً زوجتي الواقفة خلفها بمسافة مترين تقف هي أمام كومة ترابي لو قضيتُ في القصف الذي قضى على أبي فؤاد !
كنتُ أركز نظراتي على قامتها الجامدة فلمحتُ أول تمتمة دون صوت بانت من حركة شفتيها. تمتمت بصمت فيه جلال وقليلاً قليلاً بدأ الصوتُ يظهرُ ضعيفاً مكسوراً أول الأمر، ثم شرع في إلتماسك شيئاً فشيئاً إلى أنْ بات واضحاً، خصوصاً بالنسبة لنا نحن الواقفين على حافة تطلُّ على المشهد. بدأتْ بسرد قصة حبهما وكأنه متجسد أمامها. تقصُّ وتعلّق وكأنها تسمع ما يقوله لها. القصة جديرة بالسرد في موقع غير هذا. ففيها يتجسدُ حجم معاناة زوجة العراقي المتورط بالسياسة، والذي يحبها وتحبه، فالأمرُ ليس بسيطاً كما يتخيلُ البعضُ. مَنْ يتورط في السياسة بصدق المبادئ ويعارض سلطة دكتاتورية ويُضحّي بكل شئ حتى بتشريد عائلته داخل وطنه ذلك يعني أنَّ مِثلَ هذا الشخص كرّسَ كلَ عمره لحلم مدينة فاضلة ما زالت الإنسانية تصبو إليها.
كنتُ أنصتُ لصوتها رائياً الوانَ القص، شامّاً روائح الحكاية، لامساً أجسادَ الشخوص.
قصّت كلَّ ما جرى لها وللعائلة أثناء غيابه الطويل الذي بات وقتها سنتين. سنة علاجه في إيران، ومرور سنة على مقتله. قصّتْ إلى أنْ أنهكها الكلامُ والحكاية فصرختْ صرخة واحدة طويلة حادّة أصابتنا بالكمد وارتمت على كومة التراب. غطّتها مولولة صارخةً باسمهِ. كنتُ أنشجُ بصمت وجواري ينشج رفاقي وتحتنا ينشج الرجال الثلاثة بصمت، وأم فؤاد تناديه كي يقومَ من جديد قابضةً على ذرّات ترابه في حركة تشتدُّ وتنبسط وكأنها تحاولُ خلقه من جديد. وحدها زوجتي بدت متماسكة منتظرة لحظة مناسبة كي تنشلها من وهم عودته / الصفحات 151 ـ 160 من الرواية ]].
هل قرأنا قبلاً أو شاهدنا فلماً ملوّناً كهذا الذي كتب سلام وصوّر بعدسة لا من زجاج ولكنْ بعدسة من طبيعة أخرى ... عدسة روح إنسان تتحرك وتُحسُّ وتنطقُ وتغيّرُ ألوانها وألوانَ ما تلتقط مِن حولها من مرئيات . تخاطب ذات المؤلف وتسألُ وتُجيب. تستنطق ما ترى من أشياء أفرزتها أو خلقتها الطبيعة الجامدة وتحركها في أي إتجاه تشاء ولإيّما غرض وهدف تشاء. إنها عدسة خالقة لا عدسة مخلوقة. إنها الروائي سلام إبراهيم. من يصل من بين الكتّاب والروائيين أو يدنو من هذا المستوى ومن هذه الظاهرة شبه الخارقة ؟ قد ... نعم، قد يدنو رجلٌ مثل الروائي كابريل غارسيا ماركيز صاحب رواية " مائة عام من العزلة " الذي ذكره سلام في روايته هذه كما ذكر تولستوي وروايته الحرب والسلام :
[[ بقينا حتى المساء حائرين إلى أنْ قررَ أبو الجاسم الذي كان مسؤول الموقع الإنسحاب صوبَ الحدود التركية وحرق كل شئ. لا أنسى ذلك المشهد أبداً، وكأنه مشهد سبق لي رؤيته حيّاً ، مشهد روائي عشته لغةً حينما كنتُ ابنَ الخامسة عشر حينما قرأتُ رواية الحرب والسلام لتولستوي / الصفحة241 ]]. 
سلام يستحق جائزة نوبل على روايته هذه التي جمعت معاً جرائم نظام حكم حزب البعث وزعيمه صدام حسين واستخدامه الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً والتي تغاضت أمريكا عنها لأسباب سياسية وعسكرية لترجيح كفة العراق في الحرب التي كانت دائرة بين العراق وإيران وإقامة حالة توازن أسماها الرئيس الأمريكي في حينه " ريكان " لا غالبَ ولا مغلوب ! ثم محاكمة صدام وزمرته من عتاة وكبار المجرمين في بغداد حيث كان سلام يتابع وقائع تلك المحكمة من بيته في الدنمارك. يرى الجلاّدَ الذي أراد قتله بالرصاص والصواريخ ثم السموم جالساً ذليلاً في قفص الإتهام بهيئة رثّة ولحية أكثر رثاثة وشخصية هزيلة مُهتزّة مكابرة تدّعي التماسك والقوة والبراءة مما نُسب لها. صوّر سلام في روايته كل محنة العراق والعراقيين وما أصابهم من بلاوي ومصائب وكوارث لذا فإنه إبن العراق كل العراق ومحاميه المدافع عنه والكاشف بالأدلة عن قاتليه ومغتصبيه ومن خرج عن الأعراف والمبادئ الإنسانية بما فيها الشرع والقوانين الدولية المعروفة. سلامٌ عليك يا سلام.
في هذا الكتاب لوحة أخرى تُضاهي لوحة السيدة اليزيدية الأرملة أم فؤاد، زوج البطل المقاتل الشهيد " أبو فؤاد " الذي ساهم سلام في دفنه سويةً مع رفيق آخر.
أعني ما قال سلام في محاولاته المُضنية بحثاً عن مصير رفيقيه أبو جواد وأبو وسن اللذين قضيا بالسلاح الكيميائي وكيف عثرعلى جثتيهما وكيف ساهم في دفن الجثتين. سطّر كل ذلك على الصفحات 213 وما يليها وهو كثير. 
لا يفوت قارئ الرواية هذه ما كتب سلام في ملحمة الهروب الجماعي من جبال كردستان العراق إلى تركيا بعد وقف الحرب بين العراق وإيران في 8.8.1988 
وما لاقى الهاربون والهاربات والشيوخ والأطفال من أهوال وجوع وبرد وموت.
كل جزء كتبه سلام في روايته هذه يستحق تحويله إلى فلم واقعي موثّق بشهادات شهود عيان ومقاتلين عراقيين من شتى القوميات والأديان.
ملاحظتان أحداهما تتعلق بالصور التي أرفقها الروائي الجدير السيد سلام إبراهيم لكتابه " في باطن الجحيم " ... إنها صور نادرة سيهتم بها تأريخ العراق السياسي والنضالي وستكون موضع احترام واعتزاز أهل وذوي الصور مّنْ أُستشهد منهم والذي ما زال حيّاً. لكنْ للأسف الشديد كانت الصور صغيرة وكانت غير تامة الوضوح عموماً.
الملاحظة الثانية تتعلق ببعض الأغلاط الإنشائية القليلة والبسيطة التي وردت في هذه الرواية. إنها أغلاط شائعة في أوساط الكثيرين من الأدباء والشعراء والقصّاصين والقاصّات وبعض أدعياء كتابة الرواية ممن يمارسة أغلاطاً لغوية شنيعة ترقى إلى مقام الكفر باللغة لكنهم ينفونها ويكابرون مكابرة [ زعاطيط الكتبة ] ويدّعون أنها ليست أخطاءً ! لعلَّ أسوأ الجميع واحد يُقال عنه إنه خبير باللغة العربية رغم أنه لا حظَّ له من هذه اللغة إلاّ ما تعلّم في المدارس العراقية شأن الملايين غيره. ليس لديه مؤّهلٌ دراسيٌّ منهجيٌّ باللغة العربية ولا شهادات عليا ولا جامعية أوليّة فمن الذي أطلق عليه صفة خبير باللغة العربية ولماذا وكيف أرتضى هذا لنفسه قبول هذا النعت وهذه الفرية التي ألصقها به مَنْ لا يعرف قدره وحقَّ قدره ؟ تلك مأساة زمن شاع فيها تزوير وتزييف الشهادات والألقاب وادّعاء إتيان الخوارق والمعجزات .
سلام إبراهيم المقاتل الشجاع النقي النظيف لا يُكابر ولا يصعّر خدّه ويشمخ بأنفه فهو يعترف بما يقع في كتاباته من أغلاط وقد يبرر ذلك بأنه في الأساس أكمل دراسته في معهدٍ زراعيٍّ في بغداد وإنه لم يتفرّغْ  لدراسة اللغة العربية منهجياً ولم يدّعِ أنه خبيرٌ باللغة أو ضليعٌ منها [ منها وليس فيها / مصطفى جواد .. قلْ ولا تقلْ ]. سلامٌ عليك إبراهيم أيها السيّد الشجاع والروائي الفذ والمقاتل من أجل خير العراق وسعادة البشر جميعاً عراقيين وغير عراقيين. وألف سلام على رفيقة بيتك ونضالك هناك في الجبال والوديان وبين المغاور والكهوف وماراثون العذاب في الطريق لنشدان الخلاص في الجارة تركيا ... السيّدة أم كفاح التي عانت معك ما عانيتَ أنتَ بعد تعرّضكما للقصف بالسلاح الكيميائي الذي نفّذته طائرات الجيش العراق في ثمانينيات القرن الماضي.
*
في باطن الجحيم
رواية لسلام إبراهيم . الناشر : وزارة الثقافة ـ العراق ـ بغداد ـ شارع حيفا.
الطبعة الأولى ـ بغداد 2013 .

CONVERSATION

0 comments: