يا قمة التعاون.. الكونفدرالية الخليجية هي الحل/ د. عبدالله المدني

حينما تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1982 ، كان الهم الأمني مسيطرا على صانع القرار الخليجي، بل وسببا محوريا في قراره بإطلاق هذه المنظومة الإقليمية. قيل وقتها أن المنظومة جاءت لمواجهة تداعيات الحرب العراقية – الإيرانية المريرة. والبعض قال أنها أيضا لمواجهة تداعيات غزو أفغانستان من قبل الدب الروسي الذي كان وقتئذ قد أحكم سيطرته على دول عديدة قريبة من شبه الجزيرة العربية أو تحيط بها مثل الصومال وأثيوبيا واليمن الجنوبي، ناهيك عن التسهيلات العسكرية التي كان الإتحاد السوفيتي السابق يتمتع بها في الهند والعراق بموجب معاهدات ثنائية إستراتيجية. وفريق ثالث ذهب أبعد من ذلك، قائلا أن المجلس جاء كرد فعل عملي ضد مشروع الزعيم السوفيتي "ليونيد بريجينيف" القاضي بإعلان منطقة الخليج منطقة حياد خالية من الأسلحة والقواعد العسكرية، ومفتوحة أمام كل الأساطيل البحرية.
وبغض النظر عن موجبات تأسيسه ، وسواء أكان هذا السبب أو ذاك، فإن مجلس التعاون الخليجي نجح بمرور الوقت وتصلب عوده في الإنتقال من الوظيفة الأمنية إلى وظيفة التنسيق والتعاون والتكامل ما بين دوله الست في مختلف المجالات السياسية منها والإقتصادية والثقافية والدفاعية والإعلامية والتربوية. وهذا ما أثلج بالفعل صدور شعوب المنطقة، وزاد من تمسكها بالمنظومة وقناعتها بأهميتها ودورها المأمول، رغم أن خطوات المجلس إتسمت بالحركة السلحفائية لسنوات طويلة، ناهيك عن أن تطلعات المواطن الخليجي وطموحاته كانت أكبر بكثير من مجرد التعاون والتنسيق والتكامل، بمعنى أنه عبــّر في فترة مبكرة عن رغبته في قيام الكيان الخليجي الموحد، مشيرا إلى أن ما يجمع شعوب المنطقة من مسقط إلى الكويت غير مسبوق في تاريخ الأمم، الأمر الذي سيسهل عملية التوحد والإندماج والإنصهار لو وجدتْ الإرادة السياسية.
وما بين عام التأسيس في 1982 وعام 2011 الجاري، جرت مياه كثيرة، وحدثت تطورات محلية وإقليمية وعالمية خطيرة، وسقطت أنظمة، وتفتت دول، وإنهارت أو تجمدت أنشطة منظمات إقليمية مشابهة، لكن مجلس التعاون ظل وحده الصامد والمتماسك أمام الأعاصير والرياح العاتية، بسبب تشابه أنظمة دوله وتشابك مصالحها ومصيرها، فضلا عما يربط شعوبها من أواصر القربى والمصاهرة، وهو ما لم يتوفر مثلا لمجلس التعاون العربي أو مجلس التعاون المغاربي.
غير أن مجلس التعاون الخليجي اليوم أمام تحد خطير غير مسبوق يتمثل في ما تواجهه دوله من هجمة إعلامية شرسة، ومؤامرات دنيئة تحاك في الظلام، وتخطيط مريب لزرع الفوضى والفتنة والإقتتال الداخلي، وغير ذلك مما تقوم به أو تشرف عليه الجارة الطامعة إياها وأتباعها وطابورها الخامس الموزع في المنطقة العربية، الأمر الذي يحتم على دول المجلس الخروج بالصيغة التي تلبي الحد الأدنى من مطالب شعوب المنطقة في هذا المنعطف المصيري. وهذا الحد الأدنى ليس سوى إعلان الكيان الكونفدرالي الخليجي، الذي أصبح مطلبا شعبيا عارما، وليس مجرد فكرة نخبوية
وطالما أتينا على ذكر النخب، فإنه من المؤسف حقا أن يتحفظ بعض النخب الخليجية على الفكرة من باب التخوف من هيمنة الأخ الأكبر على أشقائه الصغار، أو من باب ضرورة قيام مؤسسات دستورية ديمقراطية على النمطين الكويتي والبحريني في كل دولة خليجية أولا قبل التفكير في الكونفدرالية (مثلما سمعت بنفسي في مؤتمر فكري عقد مؤخرا في إحدى الدول الخليجية)، بل من المؤسف أيضا أن يتخذ البعض من تلك المخاوف سببا في التندر على الفكرة بطريقة سمجة كعنونة أحدهم لمقاله الصحافي بـ "لا كونفدرالي، ولا كونفدرالك"، بدلا من أن يفـّقه العامة والبسطاء فيشرح لهم أن الكونفدرالية هي عكس الفدرالية، وتعني ببساطة قيام رابطة بين دول مستقلة ذات سيادة، على اساس تفويض كل عضو لبعض صلاحياته لهيئة أو هيئات مشتركة من أجل تنسيق السياسات في عدد من المجالات بآليات ومنهجيات متفق عليها.
كنا نظن إلى وقت قريب أن العائق أمام الوحدة الخليجية هو إصرار كل كيان على عدم الذوبان في كيان فوق قطري أكبر ، حرصا منه على سيادته الوطنية وحرية قراره، وشخصيته الدولية، أو خوفا من مشاركة الأشقاء له في ثرواته، لكننا إكتشفنا الآن عائقا جديدا يتمثل في تلك النخب المتفلسفة التي تكابر حول المخاطر وشبكات التخريب والتجسس المحيطة بنا من كل صوب، ولا ترى أبعد من أرنبات أنوفها، علما أنها كانت إلى وقت قريب تصدع رؤوسنا ليل نهار بالشعارات الوحدوية التي تلقنتها في مدارس عبدالناصر وعفلق وجورج حبش.
حينما ندعو إلى الكونفدرالية الخليجية، فإننا لا نأتي بأمر أو نموذج مستنكر. فقد سبقتنا إليه أمم لم تكن تعيش المخاطر والتحديات التي نعيشها. ثم أن الكونفدرالية الخليجية ليس شرطا أن تبدأ بكل دول مجلس التعاون دفعة واحدة. إذ يكفي إطلاقها بدولتين كي تلتحق بها الشقيقات الأخريات لاحقا، ولتكن لنا بالإتحاد الأوروبي أسوة. فهذا الأخير الذي يبلغ عدد دوله اليوم سبع وعشرين دولة (لا يجمعها ما يجمع أقطارنا الخليجية من تاريخ مشترك، وروابط عائلية، وتطابق ثقافي، وعلاقات إجتماعية) بدأ في عام 1952 بثلاث دول فقط هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لكنه تطور تدريجيا وفق خطة مدروسة، سواء لجهة عدد الأعضاء (من 3 إلى 6 إلى 18 فإلى 27 ) أو المؤسسات التابعة (المفوضية الأوروبية للشئون الخارجية، ومحكمة العدل الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي والبرلمان الأوروبي) أو المهام المنوط به (تنسيق المواقف والسياسات والتشريعات الإقتصادية والمالية والدفاعية والعمالية والتربوية، ناهيك عن تنسيق التحرك الدبلوماسي) أو لجهة التسمية التي تحولت من "جماعة الفحم والصلب في عام 1952" إلى "السوق الأوروبية المشتركة في عام 1958" فالإتحاد الأوروبي بموجب معاهدة "ماستريخت" في عام 1993.
إن الكيان الكونفدرالي الخليجي الذي بات مطلبا شعبيا اليوم سوف يضم في حال إعلانه نحو 40 مليون نسمة بناتج إجمالي سنوي يقارب 900 بليون دولار، كما كتب الزميل الدكتور محمد غانم الرميحي مؤخرا، وسوف تكون له قدرة التحكم في نحو 40 بالمئة من صادرات النفط العالمية والمنتج العالمي من الغاز الطبيعي أي شريان الحياة وعصب الصناعة في الشرق والغرب. وبهذه الإمكانيات والقدرات وغيرها كثير سيستطيع بإذن الله إحباط المخططات الشريرة التي تستهدف أمن المنطقة وإستقرارها، سواء جاءت من ضفة الخليج الشرقية، أو أتت مـِنْ صوب مـَنْ وثقنا فيهم لعقود طويلة، وحسبناهم حلفاء، فإذا بهم منغمسون في مخططات سرية مريبة تستهدف تفتيت أوطاننا والنيل من سلمها الأهلي وإستقرارها، أو هبت علينا من أنظمة "الربيع العربي" التي لم تكتمل ملامحها ومواقفها السياسية تجاهنا بعد.

د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين
تاريخ المادة : ديسمبر 2011
البريد الإلكتروني:elmadani@batelco.com.bh

CONVERSATION

0 comments: