التسجيل للانتخابات الفلسطينية في أوروبا هو أحد صيغ التغريب والإحتواء والتطبيع/ صبري حجير

بات من المسلم به ، أنّ خلف الحدث ، أو الأحداث ، تكمن قوة خفية ، تصل للمجتمعات العربية ، تظهر نتائجها ، في النهاية ، على السطح المجتمعي ، لتصل الى نهايات القرار والتأثير في الحياة العامة ، وترسم الصياغات النهائية للمجتمعات المعنية بالتغيير. وفي هذا المجال انكشف في الدوائر الضيقة مركز فريدوم هاوس الأمريكي ، المتخصص في بناء منظمات المجتمع المدني ، في الدول العربية ، من أجل توجيه السياسة الأمريكية في تلك الدول .
فجأة ودون مقدمات ، ظهرَ في ساحة الجاليات الفلسطينية في أوروبا ، فريقٌ تقنيّ ذات شهرة عالمية ، منبثق عن برنامج " جمهور بلا جمهورية " هو أحد منجزات جامعة اكسفورد البريطانية . شرعَ هذا الفريق بانجاز ورشات عملٍ ، وتدريب لعدد محدد ومخصص من الفلسطينيين ، هم أنفسهم الذين التزموا وسوقوا ، قبل عدّةِ سنين ، لمشروع (سيفتاس ) الذي أصدرته جامعة إكسفورد لفلسطينيي الشتات ، ذاتهُ المشروع الذي تصدت له وأجهضته الحركة الجماهيرية الفلسطينية في أوروبا ، بدعم من القادة الشهيدين (ياسر عرفات وجورج حبش ) . في هذه الأيام ، تطلُ علينا البريفيسورا الفلسطينية (كرمة النابلسي ) بمشروع بريطاني ، جديد في موضوعه ، وجديد في تعبيراته ، وجديد في جاذبيته ، يلامس مشاعر وطموح الفلسطينيين ، وهو " التسجيل المباشر للشباب الفلسطيني في أوروبا والشتات لانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني " وأفردت النابلسي لهذا الموضوع موقعاً إعلامياً ضخماً ، يضخُ البيانات والإعلانات والتصاميم الألكترونية ، وتابعت ذلك بالإعلان عن ورشات عمل حضرها بعض السفراء الفلسطينيين في أوروبا ، انتهت ببياناتٍ وتقارير تحتوي شعارات فلسطينية عامة ، توحي بالالتزام في الحقوق الوطنية الفلسطينية ، تُدغدغُ بها النابلسي المشاعر الوطنية للناس في الشتات .
يبدو أن الدكتورة كرمة النابلسي ، الدبلوماسية الفلسطينية السابقة في بريطانيا ، استندت في نشاطها الجديد للنداء الذي أصدرته شخصيات فلسطينية في 17 – 06 – 2012 بعمان ، مثلت الشخصيات كافة أطياف اللون السياسي الفلسطيني ، وشخصيات مستقلة ، أصدرت في ختام لقائها " النداء الوطني للتسجيل لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني "وقد استند النداء للتوافق الوطني ، وما نصت عليه اتفاقات المصالحة التي أكدت على أهمية اجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني ، ويشجع على توسيع المشاركة الديمقراطية في المؤسسات الفلسطينية ... لكن النداء الوطني المذكور لم يفوض الدكتورة كرمة النابلسي بالاستعانة بجهات أوروبية لتقوم بعملية التسجيل الوطني للفلسطينيين ، لأن عملية التسجيل للانتخابات تتم بالضرورة بآلية فلسطينية ، ومن خلال جهة فلسطينية متخصصة ، تحددها رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني ، في قرار رسمي تنشرهُ في وسائل الإعلام الفلسطينية . الدكتورة النابلسي لم تتقيد في الشروط الناظمة لمثل هذا الموضوع ، بل جاءت تُشمِّرُ عن ساعديها في ساحة الجاليات الفلسطينية الأوروبية ، مُطلقةً خطواتها في الهواء ، مسرعةً نحو الجاليات ، معتمدة في مشروعها الجديد على تفاهم غير مُعلنٍ مع فصيل فلسطيني ، وعلى بعض مراكز القوى في الساحة الفلسطينية . على رغم غياب بوادر الإصلاح في المؤسسات الفلسطينية ، بل رغم تعطل مشروع المصالحة الفلسطينية من الأساس ، وتغييب مفاعيلها في العلاقات الفصائلية ، ولا يبدو في الأفق عودٌ على بدئ ، لأنّ الانتخابات في المجتمع الفلسطيني تدلل بالضرورة على شيوع روح الديمقراطية ، والديمقراطية كمفهوم وممارسة وتطبيق ، تعتمد في الأساس على التوجه السياسي الموحد للأطراف المتآلفة في المشروع الوطني .
وأعتقد أنّ ما تنشرهُ النابلسي بين الجاليات في أوروبا هو مشروع يرتبط بآليات وأهداف صنعتها مراكز الأبحاث في جامعة اكسفورد البريطانية ، لنشر صيغ التغيير والتغريب والاحتواء والتدجين ، للوصول للتطبيع بكلّ أشكاله ، وبوسائط وهيكليات خارجة عن المألوف الوطني ، تحاول صبغ الحركة الجماهيرية الفلسطينية بصفات مجتمعية مدنية راديكالية ، وتضعها ضمن قوالب المطالب الديمقراطية ، للحيلولة دون الوصول للأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني ، وحقوقه الثابتة ، خاصة حقه في العودة الى فلسطين المحتلة عام1948 .
والموضوع برمته يستهدف ، كما تشير اليه الدلائل والتجارب ، ايجاد الهيكلة المدنية التي من شأنها أن تتحكم بآلية القرار الجماهيري الفلسطيني المستقل ، وتحديد اتجاهاته ، في سياق ما يُسمى بربيع فلسطيني مشوه ، غير ذلك الربيع المنشود ، الذي يعزز فيه الفلسطينيون صمودهم فوقَ ارض الوطن ، وتتقوى فيه الإتحادات والجاليات الفلسطينية ، باعتبارها أعمدة وركائز منظمة التحرير الفلسطينية في المهاجر والشتات ، وتتقوى به الارادة الوطنية الفلسطينية بتمسكها بالثوابت الوطنية ، وعلى رأسها حقّ العودة .
المشروع الجديد الذي جاءت به الدكتورة كرمة النابلسي تنتابه الريبة ، وتحيط به الشكوك ، لأنَ تكاليفه المالية الكبيرة التي تصل الى ملاين الدولارات تغطيها جامعة إكسفورد ، لم يصل الى حدود الإحصاء العام
للفلسطينيين في أوروبا ، لأنّ في ذلك خروج عن حدود الإتفاق مع الحركة الصهيونية العالمية التي فرضت على الأوروبيين قبول الفلسطينيين في أوروبا بصفتهم لاجئين دون وطن ، أو هوية وطنية فلسطينية ! ويعتقد اتحاد الجاليات والفعاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا والشتات ، وفقاً لبيانات رسمية صدرت عنه حول هذا الموضوع ، انّ الهدف البريطاني من وراء العملية التسجيلية التي تقودها كرمة النابلسي هو أمنيّ بامتياز ، معالمه واضحة ، وهدفه الوصول الى الفئة الفلسطينية الناشطة في أوروبا ، وتصنيفها في المراكز الأمنية الغربية وغيرها ، ليتم الإلتفاف عليها ، وانشاء قيادات شعبية فلسطينية راديكالية بديلة يتم استخدامها في الوقت الفلسطيني المناسب .
كاتب فلسطيني مقيم في السويد

CONVERSATION

0 comments: