اليأس.. أزمة إنساننا المُعاصر/ الأب يوسف جزراوي

من كتاب أفكار وتأمُّلات من تُراب للأب يوسف جزراوي(قيد التأليف)
كُلنا يعيش في هذه الدنُيا ويـتأمل تحقيق حلمٍ ما ، لكي يبدأ الحياة معه، فننتظر وننتظر وربما قد لا يتحقق هذا الحلم، فنشعر باليأس وتسود الدنيا في أعيننا ، وتبدو الحياة بلا معنى ، فنغدو كالوردة الذابلة.
مُنذ طفولته عيشوه في أملٍ مُحددٍ ، فأفهموه وحشوا دماغه بأنه سيكون مُهندسًا أو طبيبًا في المُستقبل، فعششت هذه الأحلام والأمال في داخله لتكبر معه، لكنه إصطدم بالواقع المرير فمعدله في البكلوريا لم يؤهله لذلك. فآنتابه شعور غريب باليأس شَل كلّ طاقاته وأخمد شعلته المتوقدة!
فتاة حلمت بأن ترتبط بمن تحبّ، وبذلت قصارى جهدها، لكنّها وقعت في حبال عائلتها لتفترق عن من أحبت، وتُصاب بأزمة نفسية حادة قادتها لعدة محاولات إنتحار. واليوم باتت أختنا ضائعة او ان صح القول في عداد الموتى الأحياء، وما أكثرهن !
إنهُ اليأس، ذلك الخطر الذي يُهدد وجودنا كبشر في هذه الحياة ... اليأس أزمة تبغي إغتيال الرجاء فينا.
لقد يأستُ! من الذي يأس؟ أنا. إذًا (الأنا) هو السبب وليس (الآخَر). فاليأس ينبع من الأعماق وليس له مصدر خارجي.
وأنا أُسجل هذه الخاطرة تذكرتُ دموع ذلك الصديق الذي صرخ بأعلى صوته قائلا: ".... يئستُ من أن أكون أبًا، يئسـتُ من أن يكون لي طفلاً يحمل إسمي في هذه الدُنيا ..". تأمّلوا في كلماته (يئست). إنه لم ييأس من الطفل ، بل من ذاته ، فهو غير قادر على أن يكون أبًا. فأخذ يرفض ذاته العاجزة الفاشلة . فأن جُلّ المشكلة لا يكمن في الشيء الذي نحن عجزنا في الوصول إليه ، إنّما في ذاتنا.
من الأقوال المأثورة للفيلسوف هايدغر:" عندما تكون يائسًا ستكون أشبه بالضرير الذي يرى كل شيء أمامه أسود " .
وربّما قد إطلعتم على قصة تلميذّي عماوس أو سمعتم عنها في إنجيل لوقا، فأن التلميذين كانا في حالة يأس وهما في الطريق لأن السيد المسيح قد صُلب. لقد مات الرجاء في داخلهم ( كنّا نرجو)!
لذا لا تيأس، فاليأس موت. اليأس يخمد شعلة الرجاء والفرح فيك.
اليأس يجعلك ثقيل الخطوات.... لتغدو الحياة كصخرة تجثم على قلبك. اليأس يُفقدك الأمل في الحياة، فتعيش في ظلام دامس.
اليأس يُفقدك الثقة في ذاتك، فتتنكر لها ، وتسعى للتماهي بشخص آخر، وستكون (مثل) فلان وفلان، ولا تكون نفسك، بمعنى ستكون مُقلدًا للآخَرين وستتغرب عن ذاتك وعن جوهرك. اليأس يجعلك عاجزًا عن إعطاء المعاني الجميلة للأشياء والأحداث والأشخاص من حولك، فتضيع منك حلاوة الوجود.
اليأس يجعلك تعيش قلقًا وجوديًا، فتغدو شخصًا مُترددًا لا قرار لك.
كتب الفيلسوف الوجودي الدنماركي كيركجاد:"اليأس حالة موت يحياها الإنسان وسط الحياة".
وأقول أنا بدوري: كم هُناك من أحياء يائيسن كأنهم أموات. لذا لا تكون يائسًا مهما قست عليك الظروف والأيام، ومهما ضاق عليك الخناق وأشتدت المحن. وأن فشلت فالنجاح وليد الفشل والرجاء علاج لليأس.. وعن خبرة اذيعُ علنًا:قد تكون خبرة الفشل أحيانًا ألذ من تجربة النجاح لما تحويه من دروس وعِبر!
الإنسان كائن عظيم متى عرف كيف يثق بذاته .... فثق بنفسك ، وان لم يحدث فيك هذا، فأنت شخص يائس، بائس. حينها لا ترمي اللوم على الحياة والظروف والآخَرين ... بل على نفسك!

CONVERSATION

0 comments: