التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي/ زهير الخويلدي

" التنوير هو خروج الانسان من القصور الذي ارتكبه في حق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من انسان آخر". – كانط، ماهي الأنوار؟
عاد الفكر عندنا هذه الأيام إلى المستنقع الإيديولوجي وصار التعصب هو اللغة التي يتكلمها المثقف الهائم على وجهه وسقط  الخطاب السياسي مجددا في النعرات الجهوية والقبلية والطائفية واقتصر الفاعلون في الشأن العام على ترديد شعارات مستهلكة غير قابلة للتحقيق وترويج بضاعة مفلسة لا تنسجم مع تحولات المرحلة وتبني الساسة قناعات أكل عليها الدهر وشرب ولا تستجيب لطموحات الطبقة الناشئة ، وسبب ذلك هو مسايرة السائد والوقوع في التقليد واستنساخ الماضي ومحاكاة التجارب المفلسفة في سياقاتها الاجتماعية المغايرة.
فهل التعصب هو الدغمائية والوثوقية؟ وماهي مظاهره وأبعاده؟ ولماذا يقع الفكر ضحية التعصب؟ وماهي الأسباب التي تجعله يسري في العقول مثلما تنتشر النار في الهشيم؟ وهل يمكن أن يكون التنوير العقلي والنقدي العلمي هما السلاحين الناجعين لمقاومة التعصب؟
التعصب هو انفعال يتراوح بين الحب والإعجاب والإخلاص برأي أو معتقد من جهة والتمجيد والحماسة للقناعات الذاتية والتبخيس والحط من قيمة قناعات الغير واللاتسامح معه.
في هذا السياق يشير اللفظ الفرنسي fanatisme الى نزعة تنحاز الى مذهب أو شخص وتتراوح بين الرفض التام له والدفاع الكلي عليه وتكون مبنية على الجهل. وينشد المتعصب من وراء مؤازرته وانغلاقه ومساندته المطلقة الحصول عن مصلحة اجتماعية وتحقيق منفعة مادية ولذلك لا يكترث بازدراء المخالف في الرأي والتقليل من شأنه والإساءة له وإلحاق الضرر بالمعارض له وتقديس المماثل وتبجيل المشابه وتضخيم انجازاته والنفخ في صورته.
التعصب هو ميزة الفكر الذي يقسم الناس الى أعداء وأصدقاء وينزعج من التناقض والاختلاف والتنوع ويفسر حدوث الأشياء بالتدخل الخارق للقوى الغيبية ولذلك جسد موقف المتعصب الدفاع عن اعتقاد أو دين بشكل انفعالي وباستعمال القوة دون تثبت من صدقه.
هكذا يعمد التعصب الى تحريف الحقيقة ومصادرة الحرية وخيانة الضمير وتخدير الفكر وإهمال الصوت المنبعث من الضمير وقولبة الانسان وسجن النفس داخل مقولة التطابق. وقد يؤدي التعصب في السياسة الى التخوين وتركيز الحكم الاستبدادي واللاتسامح مع المواطنين وفرض القرارات عن طريق العنف، وينتج عن التعصب الى العرق أو الجهة أو الطائفة أو المذهب أو اللغة التمركز على الذات وممارسة الاقصاء والتهميش للمغايرين والمخالفين.
ان التعصب هو ثمرة الجهل وناتج عن وقوع الخيال في الخطأ ووضع الخرافة قيد العمل وعند كانط التعصب هو وهم لا يتوقف عن الظهور يدعو الى تخطي حدود العقل العملي.
هناك علاقة وثيقة بين التعصب وغياب الوعي وسوء الفهم وتصحر الفكر ونسيان النقد وحضور الدوغمائية وتبني الوثوقية في ادراك العالم وتجربة العلاقة مع الغير. وفي مقابل التعصب الديني اليميني يوجد تعصب ايديولوجي يساري وتعصب قومي عنصري ولا حل سوى الانتماء الى ديانة المحبة والإيثار والاعتصام بالصداقة والعقلانية والروح العلمية.
اذا كان المنهج الحقيقي في البحث الفلسفي يقوم على النقد بشكل أساسي والتمييز والتقصي فإن الدوغمائية هي موقف عام يتصف بالسلبية وبالاستخدام غير الواعي للعقل ويتعارض مع النزعة الريبية ويقوم على اعلان قضايا دون امتحانها ودون تأسيسها بطريقة عقلانية.
ان النزعة الدوغمائية هي موقف ثابت لتجارب الدهشة والحيرة والشك والنقد ويمثل خاصية المذاهب التي تظهر قناعاتها الفكرية على انها بديهيات لا تقبل النقاش وحقائق جوهرية دون أن تقوم بفحصها ودون أن تضعها على محك النقد.وفي السياسة أو الدين يحاول أنصار هذه النزعة فرض قناعاتهم بواسطة القوة على الآخرين وإعلان الحرب على الخصوم من المعاندين الريبيين. وقد ذكر فرنسوا جاكوب في لعبة الممكنات:" أن الذي يدفع الناس الى التقاتل ليس فقط المصلحة بل الدوغمائية. لاشيء أكثر خطورة من اليقين بامتلاك الحق".
هكذا تحولت الدوغمائية الى عقيدة يصبح الفكر بمقتضاها قادرا على معرفة الحقيقة أي الوجود كماهو وبشكل مستقل عن كل تمثيل والاعتقاد بإمكانية بلوغ المطلق في ذلك.
من هذا المنطلق يكون التعصب هو شكل من اللاتسامح يدفع بكل الطرق الى اضطهاد الغيرية بجميع الوسائل الممكنة من أجل الانتصار الى الأنا وتحقيق مجموع مصالحها. فكيف تكون فلسفة النقاش والعقلانية النقدية التواصلية هي العلاج الشافي من التعصب والدوغمائية؟ وألا يقتضي النقاش العمومي ممارسة النقد والتدرب على الحرية والتفكير العقلاني؟
الأنوارlumières  لغة هي من النور والإضاءة والظهور والانكشاف والتجلي وكلها ضد الظلام والتخفي والعتمة والمكوث في الكهف ويحارب الكسل الذي يسبب القصور والتخلف ويناهض الجبن الذي يكرس الوصاية والإستغلال، وليست قيمة التنوير في ذاته بل في ما يحدثه من تأثيرات على الذهن وما يوقظه في القلب من أفعال ارادية وما ينبه اليه العقل من أفكار ثورية وما يحركه في النفس من مقاومات للمألوف وتنبيه للحرية من الغفلة والتيه.
ان حركة التنوير تدافع على الحرية الفردية وعلى الاستعمال المنهجي والعلني للعقل في كل أمور المجتمع ومقتضيات الحياة وتفضي الى الاستقلالية الذاتية والتربية الأخلاقية للشعب. كما أنها تجعل العقل يعزف عن الاستخدام الوظيفي لملكاته وما يسبب ذلك من انغلاق وأحادية ويشرع في الاستعمال النقدي الحر وينقل الانسان من كونه موظف الى درجة المواطن الذي يتمتع بجملة من الحقوق ويمارس عدد من الواجبات ويتحمل مسؤوليته كاملة.
هكذا تكون الثورة االسياسية هي الفعل الاجتماعي المؤسس لمؤسسة الحرية والاستقلالية وتكون الحرية هي شرط الامكان الذي يساعد على انبثاق الأنوار التي تغير الاتجاه الفكري لدى الناس من التعويل على الغير الى الاعتماد على النفس ونقل السلطة من الاعتقاد الى العقل ومن المطلق الى الانسان ومن السماء الى الأرض والإقرار بأنه لا سلطة على العقل إلا العقل ذاته وأن معركة الحقيقة والعلم مع الخرافة والوهم هي معركة مصيرية ومستمرة.
في الفلسفة ظهرت استعارة النور منذ ما قبل السقراطيين للإشارة الى معقولية الوجود وقد وضع أفلاطون الشمس على قمة عالم المثال وأكد على أهرمية قيم الخير والحق والجمال ونفس الشيء فعله ديكارت حينما ربط موهبة العقل العادلة عند جميع الناس بالنور الفطري وطرح الذات العارفة في استقلاليتها ووضوح افكارها وتميزها الأنطولوجي عن بقية الكائنات. زد على ذلك بين هيدجر أن انكشاف الوجود يعلن عن نفسه من خلال الدازاين عن طريق استعارة النور ويعتبرها الاستعارة المطلقة بسبب قدرتها على ترجمة لغة الوجود.
لقد ظهر التنوير في حضارة اقرأ منذ الدعوة الى الاعتبار من ظواهر الكون وفتح باب الاجتهاد العقلي في النص والإقرار بحرية الاختيار ووضع خصائص للسان العربي وكتابة مقالة في الفلسفة الأولى وقانون كلي في الطب ونقد العقل القياسي واعتماد ملكة التعقل النظري والتدبير العملي والتخلي عن العقل الفعال والتعويل على منهج السبر والتجريب وإدراج مسائل الحكم ضمن دائرة التشاور والتفاوض والدراية الجماعية بشؤون الدنيا، وإسناد أمور المعاش الى فقه المعاملات وفهم الاستخلاف على أنه ائتمان وتعمير.
والحق أن الأنوار هي حركة ثقافية وأدبية وفلسفية تؤمن بالثورة على السائد وتقاوم الجهل والتأخر وتعمل على تحرير العقول من الخرافة والأوهام وتفكك آليات التعصب والدوغمائية وتنتصر الى الحريات والمواطنة وتفجر الطاقات وتهتم بالأبعاد الجمالية والإتيقية للكون وتجعل من طريق التقدم العلمي والتقني هو الدرب التحرري الذي يقود الانسانية نحو الرفاه والسعادة. فهل يجوز التعصب الى المسار الثوري العربي؟ وكيف يسقط التحليل الثوري من حسابه الفعل النقدي ويتحول في بعض الأحيان الى سياق تترعرع فيه النزعة الدوغمائية؟ ألا تحتاج الثورة الى فكر ثوري؟ وأليست حركة الأنوار هي أعظم فكر ثوري في التاريخ؟
كاتب فلسفي

CONVERSATION

0 comments: