أوضاع الجماعات الإسلامية/ صالح خريسات

يتساءل الناس عن أسباب العداوة المستحكمة, بين العالم الغربي ,وبين الجماعات الإسلامية. ويذهب المحللون السياسيون ,إلى أن طلب السيادة على الأرض ,هو الغاية من كل  الحروب, التي دخلتها الجماعات الإسلامية في مواجهة العالم الغربي والأنظمة السياسية التابعة لها، والتي ذهب ضحيتها الملايين من البشر.
 فمن الناحية الدينية , ترى الجماعات الإسلامية, أنها مكلفة بنشر الدين الإسلامي, في جميع بقاع الأرض , بموجب تكليف الهي, وردت فيه نصوص القرآن الكريم . فهي تحارب في سبيل الله,وشعارها  "إنما الدين عند الله الإسلام" وتختار الموت, طريقا إلى الجنة, التي وعد الله بها الشهداء. لكنها (الجماعات )تريد الاستيلاء على السلطة, بأي أسلوب لمواجهة ليبرالية الغرب.
وتؤكد الجماعات الإسلامية, أن الإسلام جاء ناسخا لما قبله وما بعده, ومهيمنا عليه , وله إحدى حالتين : إما أن يتمكن في الأرض, ويسيطر ,وإما أن يتأسس ويسود في بقعة ,ويتحفز للانطلاق ,والاستيعاب ,والسيطرة ,ولا وسط بينهما.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف, عمدت تلك الجماعات على توكيد حد أقصى من التمييز ,والتفرد, للإسلام ونظمه, ينفي عنه مشابهة أي عقيدة أخرى ,وأي حضارة أخرى ,وأي نظام غيره ,عرفه الناس قديما ,أو يعرفونه حديثا. فليس هو الديمقراطية, ولا هو مشتبه بها ,أو ملتق معها , وليس ليبراليا, وليس توموقراطيا ,وليس دستوريا , وليس قوميا, وأن نظامه الاقتصادي, ليس رأسماليا, ولا اشتراكيا, وأن مذهبه في نشاط الدولة, ومؤسساتها, ليس مذهبا فرديا,ولا جماعيا , وأن التشريع الإسلامي,في مجالاته كلها, نظام متميز متفرد,مختلف عن سائر النظم القانونية التي عرفها الناس قديما وحديثا. وباختصار شديد, أنه الإسلام وحسب, وعلى المسلمين أن يقرروا إما أن يكونوا مسلمين خلصاء ,لا يشركون بالله شيئا , وإما أن يجبنوا عن مواجهة العالم بخصوصية إسلامهم.
ويبدو أن هذه القناعات ,قادتهم إلى فكرة تكفير الحضارة :"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " فإما أن يكون الحكم لله,وذلك نظام الله , ونظام الإسلام. وإما أن يكون حكم الطاغوت , والطاغوت نظام الفسق, والضلال, والكفر , وكله في حضارة الغرب ,التي استولت يفتونها, وفنونها,على الإنسان, وأشغلته عن عبادة الله "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
وعمدت الجماعات الإسلامية, إلى ممارسة العزلة, وإصدار الفتاوى بتكفير المجتمعات, والتشديد على أنصارها وأتباعها,ليتركوا كل مظاهر التشبه الحضاري.فقدموا الإسلام للناس, في صورة غريبة,ملؤها الغموض والخفاء, وقصارها أن تؤكد اختلاف الإسلام عن غيره , وتمييزه عن كل ما عرفه الناس , فظهر ما يسمى "بالزي الإسلامي",و "المظهر الإسلامي",و "الطب الإسلامي",و "الأكل الإسلامي",و"الاقتصاد الإسلامي",و"التمويل الإسلامي",و "العرس الإسلامي",و "النظام الإسلامي ".. الخ.

ومن الناحية السياسية , فإن ثمة جرحا عميقا في الذاكرة الإسلامية, أحدثه الآخرون في فترات متفاوتة ولاحقة,بلغ ذروته أبان الحروب الصليبية في القرن العاشر الميلادي,ألا أن فصوله الدامية امتدت إلى القرنين ,الرابع عشر والسابع عشر,وتمثلت في عملية الإبادة ,التي تعرض لها المسلمون في الأندلس, وصقلية, وجنوب ايطاليا.
كذلك كانت الهزيمة الساحقة التي مني بها المسلمون,أمام الزحف الغربي الذي أعقب انتصار الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر, وما حدث في فلسطين في القرن العشرين,ومساندة الغرب للدولة العبرانية , وما تيع ذلك من أحداث أواخر القرن الماضي. كل ذلك ألقى بالمسلمين في تيه الإحباط واليأس,وخلق في أعماقهم شعورا بالمرارة,والرفض,والكراهية,للعالم الغربي ,ترجمته الجماعات الإسلامية,برغبة الانتقام على أسس دينية "محاربة الطاغوت والكفر".
وأما من الناحية التاريخية,فإن المصادر المتوافرة لدينا,وفي مقدمتها القرآن الكريم,تؤكد أن هناك في الجزيرة العربية,قبل ظهور الإسلام, نوع من القلق الاجتماعي,عبر عن نفسه في شكل صراع, في العقيدة الدينية.وأطراف الصراع,هما الملأ من قريش,سادتها وأغنياؤها من جهة, وأفراد أطلق عليهم الحنفاء من جهة أخرى . فكان الحنفاء يمثلون التجديد ويدعون إليه,بينما كان المالكون للسلطة من قريش,يمثلون التقليد,ويتمسكون به. واستمر الصراع ذاته بمجيئ الإسلام . وقالت قريش : "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " بينما طرح الدين الجديد,فكرة توفيقية لحسم الصراع , وهي الرجوع إلى الأصل , دين إبراهيم جد العرب, من أجل الارتكاز عليه, وتجاوز عبادة الأصنام, وسلطة المال,والجاه, والنسب.
فالإسلام وإن قال بالعقلانية,وأطلق العنان للتفكير,إلا أنه فشل في وضع نظام سياسي يحكم مسيرة أتباعه,ولم يطرح فكرا بالمفهوم الصحيح,وإنما عملية توفيق أو عملية اضطهاد وتكفير " أسلم تسلم "ثم إعلان حالة الحرب. وقد انعكس ذلك القصور على تاريخ المسلمين , فهو تاريخ الشخصيات وقواد الجيش ,ومادته هي الحوادث ,والأيام ,وأسماء الأعلام , ابتداء من حديث السقيفة,مرورا باغتيال عمر بن الخطاب, والثورة على عثمان بن عفان, واجتماع عائشة بطلحة والزبير في مكة, وخروجهم على علي ,وتمرد معاوية, ووقعة صفين,وأزمة التحكيم,وتصفية رابع الخلفاء الراشدين , وانتهاء بزوال الخلافة الإسلامية. فكان تاريخ المسلمين كله,صراعات,وسراديب,ودهاليز, وإعدامات.
وأما في العالم الغربي,وأوروبا, فإنهم رفضوا أن يكون الدين وحيا إلهيا,كما رفضوا فكرة أنه ينطوي على قيم ثابتة.فكان دينهم مزيجا غريبا من الفلسفة المشوهة,والاجتهادات الكهنوتية التي تخدم في مجموعها,أغراض الكهنة وأطماعهم. ولما كان ذلك يخالف التوراة والإنجيل,فقد ثار عليهم قديس ألماني هو" مارتن لوثر " وقدم أوجست كونت,تفسيره للظاهرة الدينية,بأنها احد مظاهر قانون الأحوال الثلاثة,الذي يرى فيه الفكرة الدينية,بأنها مرحلة من مراحل التطور العقلي للإنسانية.
لقد وجدوا في الكنيسة مثالا سيئا,حين تصدرت قيادة المجتمع الأوروبي,فنبذها المجتمع وأصبحت هي ومرحلتها الزمنية ,مثالا حيويا على سوء القيادة الدينية,لدى دوائر الفكر الفلسفي, يشهرونه حين يريدون أن ينبهوا,على سوء القيادة الدينية للمجتمع الإنساني, فقد أظهرت الدين كأنه مخدر للأمة. ومن تجربتهم المرة,مع رجال الكنيسة,رفض الغربيون التعامل مع أي سلطة دينية, ويميلون إلى فصل السياسة عن الدين, في كل المجتمعات الإنسانية.
ويرى الغربيون في الدين الإسلامي,دين عنف وسذاجة عقل,لتعلق المسلمين بالغيبيات, وأما البوذية والهندوسية, فهي في نظرهم أقرب إلى الخرافة, واليهودية ديانة مغلقة وأتباعها قلة, تلهيهم مصالحهم وحسب.
وكان من نتائج الحركة العقلية في أوروبا, أن تعددت المذاهب في المجتمع الواحد,والأسرة الواحدة , فترى فيه الذين ينكرون الدين أساسا,وكأنهم يذهبون إلى ما ذهب إليه قدامى العرب ,وسجله القرآن الكريم "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا,وما يهلكنا إلا الدهر" وترى هناك الذين يتمسكون بنصوص ونبوءات العهد القديم والجديد, وترى في الأسرة,الأب على غير مذهب زوجته , والأولاد يتوزعون على المذاهب,كل حسب مصلحته,وما يعتقده أو يؤمن به, ثم إن له مطلق الحرية, في التنقل بين المذاهب. فالدين على هواه.
ولا يبدي المجتمع الغربي,اهتماما يذكر بالتوعية الدينية, وهو يكتفي بما يصدر عن رجال الكنيسة,من مواعظ دينية في المناسبات المختلفة, وتعمد بعض الجمعيات, والمدارس التبشيرية ,إلى إصدار مطبوعات ثقافية, تستند إلى أعمال الرسل ,وتعليمات السيد المسيح, لكنها تهدف إلى طلب السيادة على الأرض.
والرأي عندي , أن العالم الغربي فهم الغاية من الدين ومغزاه,بينما يعيش العالم الإسلامي فوضى دينية تتمثل في اختلاف الرؤى,وتباين التأويلات,وحشر الدين الإسلامي في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة والناس.وقد وقعوا في خطأ كبير ,حين قرروا الالتزام بالسنة المحمدية ,وفسروها على أنها ,كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تصرف في أي مسألة دينية أو دنيوية .والواقع أن الالتزام بالسنة النبوية ,ينحصر فيما بلغ الرسول عن ربه,وأما حاله في الدنيا ,كيف ينام ,وكيف يلبس,وكيف يأكل,وكيف يمشي في الشارع,.. كل ذلك يتبع بشريته ,يفكر بطريقته الخاصة,وينام على الجنب الذي يرتاح فيه,ويأكل من الطعام ما تشتهيه نفسه,ويلبس ما يعتقد أنه يناسبه,كرجل بين الرجال,له هيبته,ومكانته,وبالتالي فإن خلط الأمور الدينية بالدنيوية,وإلحاقها بالسنة النبوية,وإلزام المسلمين بها,هو سبب كل ما نراه من فوضى في الفتاوى,وتشكيل الجماعات والحركات الإسلامية,التي أرهقت النفوس وأتعبت من يتبعها ومن لا يتبعها .

CONVERSATION

0 comments: