أبكاني المطر/ بشرى شاكر


فيديو عن سقوط شاحنة في مدينة الدار البيضاء و الحفرة في الشارع التي تبرز البنية التحتية الهشة للشوارع الرئيسية اثنا الطوفان المطري

قد يبدو العنوان غريبا وقد تبدو عودتي السريعة بينكم غريبة أكثر ولكن قبل أن تستغربوا زيادة، أخبركم انه تم تأجيل عمليتي الجراحية مرتين، المرة الأولى بسبب ارتفاع الضغط الدموي والثانية بسبب ارتفاع ضغط السماء التي أرسلت على الأرض المغربية أمطارا طوفانية...

كان من المقرر أن اجري العملية يوم الأربعاء صباحا بمعنى اليوم، أي فاتح ديسمبر ولكن الله أراد أمرا آخر بحيث هبت رياح عاتية على مدينة الدار البيضاء و أمطرت السماء أزيد من مائتي مليمتر خلال 24 ساعة ابتداء من يوم الاثنين إلى يوم الثلاثاء واستمرت الأمطار الطوفانية في كل المغرب يوم الثلاثاء أيضا و خصت مدينة الدار البيضاء الساحلية بأكبر كمية مطرية بحيث أن مدير الأرصاد الجوية بالمملكة أعلن أن مستوى ما سقط من تهاطلات على الدار البيضاء خلال يوم واحد يضاهي معدله خلال كل شهر نوفمبر...

أعلنوا ثمانية عشر إنذارا عبر راديو القناة الثانية و طلبوا من الطلبة عدم التوجه للمدارس و الكليات والعمل ولكن طبعا النادر جدا من سكان الدار البيضاء ممن سمعوا الإنذارات و منهم أنا...، أولا لأننا لم نعتد على مثل هذا الطوفان و ثانيا لأننا تعودنا أن الإنذار يأتي بعد الزلزال أو بعد الفيضان و ليس قبله !!! و ثالثا لأننا اعتدنا بالمغرب و خاصة بالقطاع الخاص على العمل سواء كانت الأمطار كثيفة أو قليلة، وسواء كنا مرضى أو معافين لأن القانون الواقعي يفرض ذلك و ليس قانون الشغل الذي لا يطبق في معظمه و يبقى حبرا على ورق...

طبعا كأية مواطنة تستعد لإجراء عملية يوم الأربعاء على الساعة كان المفروض أن ارتاح نفسيا وجسديا و لكني سعيت يوم الثلاثاء وسط الأمطار إلى مركز الضمان الاجتماعي صباحا لنيل شهادة التحمل التي استطيع بموجبها أن أنال تخفيضا على الجراحة داخل المستشفى الخاص...

بيوم واحد قبل العملية -و الإجراء له أكثر من شهر و نصف- و أنا اركض لإكماله وكأني في كامل صحتي وعافيتي، و الضغط يرتفع و الدكتور بكل سهولة يصف لي أدوية معالجة للضغط وارتفاع دقات القلب و يخبرني ببرود انه علي أن ارتاح وكأني اخترت أن أنهك!!!

و لأكمل لكم مسيرة المواطنة...فقد ذهبت للمكتب الوطني للضمان الاجتماعي ليخبروني على الساعة العاشرة والنصف صباحا أن كل الموظفين قد غادروا بسبب انقطاع التيار الكهربائي اثر العاصفة الهوجاء...و رأيت غيري كثيرين ممن أتوا من مدن بعيدة و أيضا يبحثون عن إجراء عمليات جراحية مستعجلة، و لكن اكبر صندوق ضمان بالمغرب لا يتوفر على مولد كهربائي !!!!

المضحك أن دولة العراق التي تعيش حالة حرب حينما ينقطع التيار الكهربائي يستخدمون المولدات، واكبر ضمان مغربي يملك في يده زمام أوراق ضمان أمراض مزمنة لكل المغاربة وإمكانية مساندة موظفي القطاع الخاص لإجراء عمليات جراحية لا يملك مولدا!!!

و اكبر شركة كهرباء في المغرب بولاية الدار البيضاء "ليديك" لم تستطع التدخل بسرعة والمضحك أننا سلمناها لإدارة أجنبية لكي يراعونا و قد فعلوا فعلا و لكن في زيادة فواتير الكهرباء وانخفاض مستوى الخدمات، لربما لو كانت قد سلمت لمغاربة وطنيين لكانوا أحسوا بوجيعة المواطن المغربي، ولكن من يدري قد لا يكون ذلك... فالمواطن حينما يصبح مسئولا كبيرا، في اغلب الأحيان لا يحس إلا بنفسه و ينسى أن هناك مواطنين اقسم على خدمتهم...

هذا ليس كل شيء، فرحلة 24 ساعة لم تنته بعد، فقد ذهبت للمستشفى عساني أجد ورقة الضمان قد وصلتهم قبل انقطاع التيار، سألوني لم أريدها، أجبتهم و أنا مبلولة كالقطة: لدي موعد عملية جراحية غدا صباحا...

نظروا إلى بعضهم البعض و ضحكوا وقالوا لي باللهجة المغربية: "و فين بالسلامة غادي تعملي العملية؟"

نظرت إليهم فاغرة فاهي وأتموا قائلين : بلوك الجراحة بلغه الفيضان و كل الأجهزة معطلة و كل العمليات أجلت، و ما أحدثكم عنه الآن ليس مستشفى حكومي لربما الحكومي كان أحسن حالا و لكن مستشفى خاص بأسعار عالية وحديث التجهيز ومثله مصحات خاصة أخرى أتلفت أجهزتها...كنت سأسألهم بهاته البساطة تتلف أجهزتكم و ماذا فعلتم في الحالات المستعجلة تلقون بها في وديان الطوفان؟ لكني لم اقل شيئا فالجواب كان يظهر على محياهم ...

رحلتي استمرت فقد ذهبت للدكتور، لم أجده إلا مساء و لم أجد السكرتيرة و قال لي بكل برود انه اخبرها ألا تأتي للعمل و انه ليس هناك من خرج اليوم و لكني قلت له ولكن المحظوظين مثلي خرجوا اليوم، لأنك أخبرتهم أن العملية الجراحية غدا و أرى عند بابك عدة محظوظين مثلي أتوا من مدن بعيدة ويحملون أمتعتهم أيضا و يتناولون ساندويتشات و هم جالسين على سلالم عيادتك الرفيعة...

أجل عمليتي ليوم الاثنين وجلست انتظر والدي في كافتريا قرب العيادة و أحسست برعشة برد و بعد أن كنت اندب حظي، قلت ربما ما حصل فيه خير لا اعرفه و الله يعرف ما فيه خير للجميع، هدأت قليلا و جلست مكاني انتظر أبي الذي تاه وسط الوضع المزري للطرقات و لم يستطع أن يصل لي بسيارته إلا بعد جهد بليغ، ثم فجأة وجدت نفسي ابكي، لم أكن ابكي على حالي فقد قبلت تعب الشهرين الماضيين لإجراء عملية باتت مستعجلة و قبلت تأجيلها بسبب ارتفاع ضغطي وارتفاع دقات قلبي الذي لست ادري لم كان يدق و هو في راحة تامة... فلم يكن ينام بداخلي لأنه كان علي أن أبقى بالعمل و لا أغادره إلا قبل أيام العملية بيوم أو يومين و في خضم هذا كنت فقط اركض قليلا من الضمان الاجتماعي للعيادة للمستشفى و للعمل، فالعمل عبادة و هو مقدس جدا و خاصة لدى القطاع الخاص !!!

كل هذه أمور بسيطة..استغرب كيف رفعت ضغطي و أجلت عمليتي !!! و الطوفان كارثة طبيعية صحيح، لكنه أمر رباني و المستشفيات الخاصة التي تبلع ملايين الدراهم المغربية طبيعي أن تتعطل أجهزتها...كل هذا لم يكن سبب بكائي...

لكن بكائي كان بسبب حالة الطرقات و حالة المواطنين و جعلني اسأل

مدونة السير الجديدة : المواطن عرف مسؤوليته لكن أين هي مسؤولية الوزير

منذ مدة قصيرة و تحديدا في شهر أكتوبر الماضي، أطلقت مدونة السير الجديدة، غرامات جديدة حتى على الراجلين لأنهم يعبرون من أماكن غير ممرات الراجلين، مع أني في حياتي لم أر في بلد آخر ممر راجلين يبدأ من وسط الرصيف لينتهي عند نهايته و ينعرج للشمال و أنت تعبر لليمين .... !!!

غرامات على حوادث السير، أمر جميل فحوادث السير مرعبة وكارثية وتحصد أرواحا كثيرة بالمملكة، و الوسائل الردعية واجبة و لكن أين هي البنيات التحية يا وزير المواصلات؟؟؟

ها هي ذي الطرقات قد ظهرت على حقيقتها، و قد التقطت فيديو لشاحنة كبيرة تحمل رمالا قرب منعطف الشارع الذي فيه الطبيب الذي كنت ذاهبة إليه، انقلبت لأن الأرض زلزلت تحتها، الشارع كله عبارة عن قشرة و أسفل لا يوجد أي شيء، لا اسمنت و لا حصى و لا حتى رمل، ميزانيات تمنح للوزارات و المجالس البلدية و العمالات لتضع قشرا في الشوارع الرئيسية و تسميها طرقات ...

هل يختار السيد الوزير شوارع يمر بها و أخرى يتفاداها وهو يتجول في الدار البيضاء؟؟ لأننا لم نسمع قط انه تعرض لمشكل عرقلة سير حتى !!!

منحنا الله ملكا شابا يسعى بكل جهده لجعل المملكة في مصاف الدول المتقدمة، لا يتوانى عن القيام بكل المهام و مشاريع جديدة و تدشينات، و لكن للأسف لدينا مسئولين لا يحسون بثقل المسؤولية، و لا يفهمون مساعي هذا الملك المناضل "محمد السادس" نصره الله و أيده، و لا يقدرون تعبه من اجل الشعب المغربي، كلهم يفكرون في ميزانيات جديدة و طرق توفير أموال جديدة ولا احد يبني للصالح العام والآن، الكل يريد أن يسأل وزير المواصلات أين هي البنيات التحتية؟؟ أين هي الطرقات؟؟ أين هي الشوارع التي زلزلت في مدينتي سلا و الدار البيضاء تحت السيارات و الشاحنات؟؟ أين هي بنيات الأنفاق التي فاضت بمياه الأمطار و توقف السير بها، مثل ما حدث بممر الزرقطوني بالدار البيضاء؟؟

أين هي مسؤولية شركة الكهرباء "ليديك" التي لم تسعف المستشفيات و لا البنوك ولا الإدارات حينما انقطعت الكهرباء على العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية الدار البيضاء؟

أين من يبنون بيوتا يسمونها اقتصادية لاحتواء الشباب و تسكنها عائلات كبيرة فيسقط سقفها فوق رؤوس أصحابها ممن كانوا يسعون لعيش كريم؟

أين من يرددون شعارات انتخابية في حي "البرنوصي" بولاية الدار البيضاء، الذي لم يتم إنقاذ سكانه إلى من قبل زوارق يملكها السكان نفسهم بعضهم ينقذ البعض الآخر، قبل مجيء الوقاية المدنية...

قد يكون كل شيء يبدو قاتما خلال 24 ساعة فقط، بمدينة الدار البيضاء المغربية، مما جعلني أنسى همي وسط هموم الناس وابكي من اجل وطن بأكمله يتوفر على كل المقومات ليكون الرائد إفريقيا وعربيا ويعد بوابة إفريقيا نحو أوربا و يحمل ملكه الهمام هموم الأمة العربية بحالها...

قد يكون الوضع قاتما و لكن على الأقل عرفنا أن هناك تضمان بين المغاربة، و أن هناك ناس يفكرون في الآخرين و مكسبنا الكبير هو ملكنا الشاب الذي لا يون عن العمل المستمر والذي يريد أن يرى بلده أحسن البلدان ونتمنى أن يفكر كل مسئول في هذا البلد مثلما يفكر فيه ملكه ولو بجزء واحد من المائة و مثلما يفكر المواطنين في إخوتهم وينقذونهم بأرواحهم...

و هناك شيء ايجابي آخر في تأجيل عمليتي، هو أني استطعت أن اكتب لكم هموم مواطنين مثلي قبل أن أقول لكم إلى اللقاء لو في العمر بقية...

CONVERSATION

3 comments:

منال شاكر يقول...

حقا المواطنين قد تقبلوا مدونة السير بصدر مفتوح لانهم يعلمون ان فيها مصلحة عامة ولكن اذا كانوا قد رضوا بالعقوبات الزجرية في حالة اختراق قانون السير فالوزير المعني بما نشاهده من حالة الطرقات يجب ان يحاكم بالاهمال في تتبع الميزانية الني تخصصها الدولة لاصلاح الطرق المغربية وان لا تقل محاكمة الوزير عن محاكمة اي مواطن عادي لا يحترم وطنيته ويعيش على الشعارات الكاذبة وخيانة المغرب .هذا ما سيطفىء غضب المغاربة على الوزير المعني .لا للخونة في بلاد النضال والديمقراطية.

احساس رجل يقول...

شكرا لكى اختى بشرى شاكر على هذا المقال الجميل وان شاء الله خير وكل تاخيره فيها خيره وان شاء الله تقومى بالف صحه وعافيه وتقبلى عبير مرورى

رورو احمد يقول...

دعواتى لك بدوام الصحة وأرجوا أن تكون الأيام القادمة مليئة بالسعادة والصحة الغالية