العنصرية.. وباء أخلاقي، اجتماعي، ثقافي وسياسي/ نبيـــل عـــودة

رائحة عفنة تنتشر في دولة إسرائيل. رائحة أكثر عفونة مما عرفناه في العقود الستة الماضية.
بدأت العفونة تزكم أنوفنا مع وصول هذا الإتلاف الغريب والمستهجن. لرئيس الحكومة موقف، ولوزير خارجيته موقف مناقض. لحزب العمل موقف، ولحزب شاس موقف مناقض.للوزير برافرمان موقف وللوزير بيني بيغن موقف مناقض. لوزراء حزب العمل موقف ولوزير الدفاع زعيمهم موقف مناقض. وداخل الليكود تعددت المواقف والتناقضات. والمهم ان الحكومة تواصل التنفس. ويبدو ان الإستقالات من مكتب رئيس الحكومة وآخرها مستشاره الصحفي وقبلها كاتب خطاباته ، هي الاشارة الى ان ما تبقى لنتنياهو هو الصراع لتطويل أجل حكومته المفككة.
ليس بالصدفة ان هناك إجماعا في إسرائيل بان هذه الكنيست التي أعطت ثقتها لمثل هذه الحكومة، هي أكثر كنيست سطحية وعنصرية في تاريخ الدولة.
لا ليس مجموعة حاخامات شاوروا الرب وأرشدهم إلى العنصرية في التوراة، حسب اعتراف رسمي لأحد كبار الحاخامات "أن العنصرية مصدرها التوراة". فهل كان الله عنصريا؟
ننتظر جواب الحاخامات .
بدأوا بالعرب. ثم انطلقت العنصرية من عقالها ضد العمال الأجانب، ضد اللاجئين الأفريقيين. ضد سود البشرة وضد الشرقيين وضد الروس، والكل ضد الكل.
وقبل ايام نُشر ان مدير مدرسة ثانوية مختلطة (من عرب ويهود) أصدر اوامره بمنع استعمال الطلاب العرب الذين يشكلون نصف الطلاب، اللغة العربية في حديثهم "لأن استعمال العربية هو تصرف غير مؤدب".
بالعامية نقول: "فلتة حكم"!!
لا يمكن تجاهل أصحاب الرأي اليهود بأكثريتهم الذين رفضوا تبريرات الحاخامات وعنصريتهم وعنصرية توراتهم، وطالبوا بمحاكمتهم موجهين نقدا لاذعا للمستشار القضائي للحكومة الذي ما زال غائبا عن استعمال صلاحياته ضد موظفين رسميين يتلقون أجورهم من الدولة، وملزمون عمليا بعدم تجاوز قانون الدولة، فكيف يسمحون لأنفسهم ان يوجهوا تحريضا دمويا ضد مواطنين متساوي الحقوق، رسميا على الأقل؟
السؤال: هل هذه الرائحة العفنة، التي تنتشر في المجتمع الإسرائيلي، بدأت بالحرب الشعواء التي بادر إليها حاخام مدينة صفد ضد الطلاب العرب، أم المكتوب يقرأ سلفا من عنوانه – مواقف الحكومة والكنيست وسلسلة القوانين العنصرية؟ ووقاحة التصريحات العنصرية للمسئولين؟
القول الكريم يقول: "كما انتم يولى عليكم" فهل انقلبت في اسرائيل المقولة الى "تصيرون كمن يولى عليكم"؟
ما هو التصرف الخاطئ في مواقف حاخام صفد وبعده عشرات الحاخامات، بالمقارنة مع حال الحكومة وتناقضاتها المضحكة؟ ماذا يختلف موقف الحاخامات عن مواقف أعضاء الكنيست من الإتلاف الحكومي، الذين أغرقونا بسلسلة اقتراحات لقوانين عنصرية أكثر من مجرد رفض تأجير منازل للعرب؟ وهل يختلف قانون المواطنة الذي اقترحه رئيس الحكومة عن المنهج العقلي العنصري للحاخامات؟
لا بد من معرفة مصدر الرائحة العفنة. الم يكن تصرف الوزراء وأعضاء الكنيست بالكرنفال العنصري في الكنيست، الذي شاهدنا أولى حلقاته فقط، عبارة عن ضوء أخضر للانفلات الفاسد ضد العرب وسائر "غير البيض"؟
كيف يمكن الصمت على تصريح عضو الكنيست يعقوب كاتس (حزب هأيحود هلئومي) الذي دعا الى "اطلاق رصاصة على راس كل بدوي يساعد المتسللين"؟ غدا سيقترح موبوء آخر بحل مشابه للتكاثر السكاني العربي في اسرائيل.
أقول بصراحة، هذه بداية وباء مدمر. نحن السابقون بدفع الثمن، والعنصريون سيدفعون ثمنا ليس أقل وليس أرخص مما دفعناه ونواصل دفعه. وكل يهودي عقلاني سيجد نفسه معزولا ومهددا اذا لم تتحرك الآن القوي العقلانية في المجتمع اليهودي، ونعرف انها كثيرة وقادرة على الحسم، وتعمل على اسقاط هذه الحكومة بقوانينها وشخصياتها العنصرية، وتطبيق القانون بحق العنصريين.
أبناء الأقلية العربية في إسرائيل ليسوا رهائن بيد السلطة أو تحت رحمة العنصريين ذوي اللحى أو بدون اللحى. عالمنا مختلف اليوم. ويجب أن يفهموا مرة واحدة إننا هنا في وطننا الذي لا وطن لنا غيره. ودولة فلسطين لن تكون وطننا، إنما وطن أبناء شعبنا.
من يفكر بنقلنا ليفكر بالعودة إلى وطنه أولا وإراحة باله من العرب في إسرائيل، والنوادي الليلية ستجد له عملا مناسبا.
المزيد من الضغط العنصري يولد قوة مضادة وفي حالة العرب في إسرائيل يولد المزيد من القوة المضادة بسبب التراكمات. هذا ليس قانونا فيزيائيا فقط، بل اجتماعيا وسياسيا أيضا. وسيولد بالتأكيد المزيد من الجنون العنصري.
الحل الوحيد للتخلص من الرائحة العفنة يبدأ بإسقاط هذه الحكومة، نهجها ورموزها.
فقط قبل أيام قليلة كنا شهودا على مسرحية في قمة الكوميديات السياسية. وزير خارجية إسرائيل يصرح انه لا يرى حلا قريبا مع الفلسطينيين، أي يدعو لقبر الجهود الدولية لحل سلمي. وأضاف أن على تركيا أن تعتذر لإسرائيل وليس العكس. وبعد اقل من ساعة، أعلن رئيس الحكومة أن وزير خارجيته لا يمثل موقف حكومته.
كان على نتنياهو أن يقول ذلك بالروسية الفصحى ليفهم وزير خارجيته أن كلمات نتنياهو تعني انك وزير بلا صلاحيات سياسية في أخطر قضيتين تواجههما إسرائيل؟ والحل اذهب إلى البيت!!
في أي دولة طبيعية الخطوة المتوقعة استقالة الوزير أو طرده. إلا في إسرائيل. لا تسألوني لماذا. والله العظيم لا افهم في التركيبة العقلية لنظام حكم من هذا النوع. الكل ضد الكل والكل متمسك بالكل!!
ربما هو تجسيم هزلي لقانون ديالكتيكي فلسفي عن "وحدة وصراع الأضداد". وربما يجوز أيضا أن نلجأ لقانون "نفي النفي"، نتنياهو ينفي ما يقوله ليبرمان، ليعود المنفي بقوة أكبر في الدورة القادمة. تماما مثل حبة القمح، ننفيها بزرعها، لتثمر مئات الحبوب في دورتها الجديدة.
إذن ما العلاقة بين ما أوردته، وبين الحاخامات العنصريين؟
العلاقة تنبع من عدم وجود معيار أخلاقي للسلطة.
نحن نعيش في دولة مليئة بالصراعات الإثنية الخطيرة. ولا ينقها صراعات دينية أكثر خطورة أيضا.
إن عدم تطبيق معيار قانوني واحد، يقود إلى هذه الظواهر الخطيرة التي نعيشها بكثافة غير مسبوقة منذ تشكيل حكومة نتنياهو ليبرمان.
هناك إهمال لإيجاد نهج يوطد جهاز السلطة وسياستها الاقتصادية والاجتماعية، بحيث تضمن الازدهار للجميع بدون تمييز، وتعامل الجميع بنفس القوانين، وبنفس العقوبات. فقط حسب نهج كهذا يمكن التغلب على مختلف الصراعات أو تقليصها إلى أدنى مستوى ، بحيث يبدو كل موقف عنصري كنبتة غريبة عن المجتمع . الحال اليوم عكس ذلك تماما، والزيادة للأمام كما يبدو واضحا .
لا أطمح بكلامي إلى تأكيد مبدأ المساواة. إنما إلى تأكيد أن دولة بلا دستور، معرضة دائما لأمراض اجتماعية وسياسية وأوبئة عنصرية متعددة الأشكال.حتى اليهود الشرقيين يعانون من آفة التمييز ضدهم.
قبل أيام استمعت إلى تقرير مثير من راديو إسرائيل بالعبرية.أصحاب النوادي الليلية يمنعون ذوي السحنة الشرقية من دخول نواديهم، حتى اليهودي الأشكنازي إذا ابتلاه ربه بسحنة سمراء فهو مرفوض. ويهان باتهامه انه شرقي "؟!" بالطبع العرب أيضا، ولكن العرب تقريبا لا يدخلون مثل هذه النوادي. والعديد من القضايا وصلت للمحاكم.
هذا مجتمع مريض.
إن الظن أن استخدام النفوذ الديموغرافي، والسياسي ، والاقتصادي، الذي تتمتع فيه الأكثرية، أو القوة المسيطرة على السلطة، وهي "القوة البيضاء"، المؤسسة عمليا للدولة، من أجل نهج سياسي يفرض المزيد من الخناق على الأقلية العربية، وعلى "غير البيض" او " ذوي السحن الشرقية"، هي سياسة خطرة وتنهج على أساس حافة الهاوية. ويستحسن مراجعة ملف لجنة التحقيق الحكومية الرسمية – لجنة اور- التي أقيمت على أثر انفجار الغضب عام 2000 / وتوصياتها التي أهملت، ومراجعة التقرير الهام" ما بعد الأزمة " الذي قدم لإيهود براك حين كان رئيسا للوزراء. حيث يطرح أكاديميون عرب ويهود تحليلا علميا للواقع العربي في إسرائيل ويطرحون حلولا مدروسة بعناية. والمستهجن أن الأحزاب العربية لا تعرف عن هذا التقرير الهام أو تتجاهله "؟؟!!" رغم انه يشكل منحى سياسي استراتيجي فائق الأهمية لو أحسنوا استخدامه.
لذلك يجب أن لا تحدث مفاجئة إذا انفجر الغضب العربي مرة أخرى، من مجمل السياسات العنصرية والتمييزية !!
نبيل عودة – رئيس تحرير المساء- www.almsaa.net

CONVERSATION

0 comments: