العرب.. وموجة جديدة من الابتزاز والاحتواء/ د. عيدة المطلق قناة


زيارة نتنياهو للولايات المتحدة وخطاباته أمام " الإيباك والكونغرس" جاءت من حيث التوقيت مع بداية الاستعدادات لانطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية .. مما يفسر الجرعة العالية المكثفة من الابتزاز والعنجهية الصهيونية التي انطوت عليها هذه الخطابات ..وما استجرته من مواقف نفاقية من أمثلتها :

1. الحصول على دعم عسكري كبير من الكونغرس إذ حصلت إسرائيل خلال عام واحد على أكبر تمويل عسكري في تاريخ برامج الدفاع الصاروخية الأميركية - الإسرائيلية لحماية المستوطنات من صواريخ "حزب الله" و " حماس". ففي آذار عام 2010 أقرت ادارة اوباما حوالى 205 ملايين دولار لتمويل بطاريات نظام "القبة الحديدية".. وفي أيار عام 2010 أقر مجلس النواب الأمريكي "قانون التعاون الأميركي الإسرائيلي لدعم الدفاع الصاروخي" الذي فوض إدارة أوباما "توفير مساعدة لحكومة إسرائيل في صيانة وشراء واستدامة نظام القبة الحديدية الدفاعي لاعتراض الصواريخ المتوسطة المدى والصواريخ وقذائف الهاون التي تطلق ضد إسرائيل" .. وفي آب من عام 2010 أقرت الإدارة الاميركية مبلغ 2,75 ملـــيار دولار لــشراء 20 طــائرة حربية "أف ـ 35"، وسيبدأ بتسليمها عام 2015. .. كما ارتفعت المساعدات العسكرية من 2.77 مليار عام 2010 الى 3 مليارات في عام 2011.

2. المزيد من الانخراط الأمريكي في الرواية الصهيونية وصل حد التماهي بل والانبطاح.. فالرئيس أوباما ينقلب على نفسه ويتحول عن موقفه ويعيد صياغة خطابه من جديد بسرعة البرق ... ويتخلى رئيس الأكثرية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديموقراطي هاري ريد، عن الموقف الذي أطلقه أوباما من حدود العام 1967 كنقطة انطلاق للمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين .. وأما النائب الجمهوري "اريك كانتور" فيزعم أمام الإيباك بأن جذور النزاع هي "حقد العربي تجاه اسرائيل واليهود، وليس حدود 1967" ..

3. الموقف من الانتهاكات الصهيونية لحقوق الإنسان الفلسطيني .. فالموقف يتسم بالصمت حيناً .. أو التبني الكامل لتلك الانتهاكات أحياناً .. ولعل آخرها كان الموقف من القتل الصهيوني لعشرات المتظاهرين العرب السلميين الذين خرجوا إحياء لذكرى النكبة الـ63 .. فقد مرت تلك الجريمة دون أن تثير لدى الغرب انتقادا واحدا... في حين أن أي مشادة حتى لو كانت بين طفل فلسطيني وجندي صهيوني فإن المدان - حتماً - هو الطفل الإرهابي المسلح ببعض المفردات .. أو ربما بقبضة يلوح بها من بعيد لجندي يصوب له رشاش دبابته !!

4. الموقف من فتح معبر رفح : لقد جاء رد الفعل الصهيوني على قرار مصر بفتح معبر رفح عنيفاً .. احتج نتنياهو لدى الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" وأبلغه رفض إسرائيل المطلق لفتح المعبر وهدد بـ"إعادة احتلال سيناء" ؛ إذا لم تتوصل الحكومة الأمريكية إلى حل يعيد الأمور إلى نصابها... فما كان من الولايات المتحدة إلا أن أبلغت مصر بهذه الإملاءات.. ويتصل أوباما بالعديد من الدول العظمى للضغط على مصر لإيجاد مخرج يحافظ على "أمن إسرائيل، ويؤكد الاستمرار في إغلاق معبر رفح.. مهما كان الثمن الإنساني قاسياً طالماً أن المطالب بدفع هذا الثمن هو الشعب الفلسطيني !!

5. الديمقراطية الإسرائيلية وحقوق العرب الفلسطينيين في مناطق الـ "48": لا تمل إسرائيل من الترويج لواحتها الديمقراطية اليتمية في غابة الاستبداد العربي .. في حين أن سياسات حكوماتها تقوم على التمييز والعنصرية .. فهناك تاريخ طويل من المس بحقوق العرب عبر الحكم العسكري .. ومصادرة الأراضي.. وقتل المواطنين في يوم الأرض وانتفاضة الأقصى، وهدم المنازل، وعدم الاعتراف بالقرى العربية بالنقب، وسلب الأراضي، وحرمان لاجئيي الداخل من العودة إلى قراهم. ناهيك عن اتساع الفجوات بين العرب واليهود في مجالات الصحة، والعمل، والمسكن والرفاه وتردي مستوى التعليم ..

وأما حكومة نتنياهو فقد دأبت منذ توليها على "سحب مواطنة العرب، وربط الولاء بالمواطنة، وتهجير العرب، ودعمت العديد من مشاريع القوانين العنصرية وغير الديمقراطية والماسة بحقوق العرب الأساسية (وهي العمل والعيش الكريم) ومن أمثلتها : قانون لجان القبول الذي يهدف إلى منع العرب من السكن في التجمعات السكنية الصغيرة، والقانون الذي يمنع إحياء النكبة وقانون المواطنة.. و مشروع قانون يمنح الأفضلية لمن خدم في الجيش للعمل في الوزارات الحكومية، إلى جانب العديد من مشاريع القوانين التي تسعى للمزيد من إيذاء العرب والتي أعدّت لعرضها على الكنيست..

6. الموقف الصهيوني من اتفاقيات التسوية : لقد أكدت الأحداث بأن هذه الاتفاقيات لم تكن سوى مدخلاً لإجبار الفلسطينيين و العرب على القبول بالرواية الصهيونية للتاريخ والجغرافيا والثقافة، والاعتراف بالحقائق الجديدة التي تفتعلها إسرائيل على الأرض .. كل ذلك لإقناع العالم بأن "إسرائيل" هي التي تتحكم بالسياسة الدولية .. وهي التي تحدد الشرعية والحقوق المشروعة .. وهي التي تصنع التاريخ في هذه المنطقة وفي العالم ..

ولكن رغم هذه الوقائع وغيرها .. فإن الحراك الثوري في زمان "الربيع العربي" يبدو بأنه بدأ يغير المعادلات المختلطة .. ويعطل جانباً من المخططات الصهيو- أمريكية .. وتسبب في ما نشهده من ارتباك في المواقف الدولية التي ما عرفناها إلا منحازة.. مما أدى إلى استجرار المزيد من مخزون الابتزاز الصهيوني للولايات المتحدة ..

إن العالم اليوم في مواجهة موجة عاتية من الضغوط الصهيونية الهادفة إلى جر الغرب بعامة والولايات المتحدة إلى المزيد من الانخراط العسكري في المنطقة .. لاحتواء أو إحباط مفاعيل الثورات العربية .. والإبقاء على حالة الضعف والتفكك العربي .. وإعادة الأمة إلى مرحلة ما قبل الثورة من حيث الخضوع والاستسلام والخوف .. لتكون يد "إسرائيل " هي العليا .. وكلمتها هي النافذة في كل شؤون المنطقة .. ولاجهاض مفاعيل هذه الضغوط والابتزازات لا بد من ضغوط شعبية عربية مضادة وقوية دعماً للسياسات العربية الجديدة - وخاصة المصرية منها – لتثبيتها وتطويرها .. ففيها المخرج الآمن لأزمة الأمة من هذا النفق الطويل ..



CONVERSATION

0 comments: