اللعب بسايكس بيكو أم اللعب عليها/ كميل العيد

 تعج مواقع الانترنت والصحف العالمية الأكثر شهرة ولا سيما تلك المرتبطة بمراكز أبحاث ودراسات ذات طابع استعماري بعشرات الفرضيات المقرونة بمخططات عن مستقبل خارطة المنطقة العربية ولا سيما المشرقية منها ونجحت هذه المواقع إلى حد ما في صناعة مزاج عام عند بعض العرب وخاصة السوريين منهم يقبل بصياغات وتعديلات جديدة على اتفاقية سايكس بيكو تقوم على إحداث دويلات جديدة على أنقاض الدول القائمة للخروج من عنق الزجاجة التي وصلت اليه الأزمة ولا سيما في سورية , دويلات تم إعطاء كل منها لون يميزها عن الأخرى على الخريطة الافتراضية وهذه الألوان تضفي على الخارطة التقسيمية جمالية تساعد في قبول الناظر لها لفكرتها.
 تذكرني هذه الخرائط بحكمة عظيمة تعلمناها من إحدى الراهبات عندما كنت طالباً في في الصف الخامس الابتدائي بمدرسة اللعازرية يدمشق والتي كانت تدرسنا مادتي التاريخ والفنون الجميلة حيث أتت الراهبة إلى الصف بثوب من القماش ومقص ثمين وابرة وخيط رخيصين وشرحت لنا كيف نحول هذه القطعة القماشية لبدلة جميلة نقدمها لأحد أطفال المخيمات الفلسطينية بمناسبة العيد . فتناولت مقصها الثمين وبدأت تقص قطعة القماش الكبيرة إلى قطع أصغر وما أن انتهت من قص القماش رمت المقص الثمين على الأرض وأخذت الإبرة والخيط وبدأت بتجميع تلك القطع لتصنع منها بدلةً رائعةً وما أن انتهت من الإبرة حتى غرستها في الغطاء الذي تضعه على رأسها والتفتت إلينا وسألت من يعرف لماذا رميت المقص الثمين جانباً واحتفظت بالإبرة زهيدة الثمن ووضعتها على غطاء رأسي , وعندما عجزنا عن الإجابة قالت إن المقص الثمين هو الذي قصٌ قطعة القماش الكبيرة وفرقَها وجعل منها قطعاً صغيرة بينما الإبرة الزهيدة الضعيفة والخيط الرخيص هما اللذان جمعا تلك القطعة لتصبح بدلةً جميلةً. واسترسلت الراهبة تقول هنا ندخل على درس التاريخ ففي عام 1920 أصدر قائد الجيوش الفرنسية في سورية الجنرال غورو مراسيم تقضي بتقطيع سورية إلى دولة لبنان الكبير ودولة حلب ودولة العلويين ودولة الدروز إضافة للإدارة الذاتية في الجزيرة, فالاستعمار الفرنسي يا أبنائي هو المقص الذي حاول تقطيع أوصال بلادنا, أما الناس البسطاء من أبناء الشعب فبمحبتهم وعنفوانهم وبديهيهم كانوا الإبرة الضعيفة التي قامت بإعادة جمع الكثير مما قطَعه المقص الفرنسي وحولته لفسيفساء جميل.
 وإذا أردنا أن نسقط الماضي على الحاضر ورغم أن دعاة التقسيم يزعمون في حججهم بأن الواقع الذي فرضته الحرب في سورية بعد أربعة سنوات من اندلاعها وظهور التيارات الإسلامية الراديكالية الاقصائية المتطرفة الرافضة لوجود الآخر يجعل حل الأزمة مستعصياً دون اللجوء إلى شكل من أشكال التقسيم أو الكانتونات الإدارية, فإني أقول بأن التقسيم في سورية أمر مستحيل وهو سيفشل لأسباب كثيرة منها:
1- إن سورية بحدودها الجغرافية الحالية لا تحتمل أي تعديل لسايكس بيكو عليها وان أية محاولة لعب بهذه الورقة ستؤدي عاجلاً أم آجلاً لانهيار سايكس بيكو وبعض حدوده ولا سيما بين سورية والعراق والتوجه نحو خطوات وحدوية قد لا يقوى النظام الدولي والإقليمي على مقاومتها والوقوف بوجهها .
2- إن مكونات وفسيفساء المجتمع السوري متداخلة فيما بينها وتحتضن بعضها البعض فلا توجد مدينة سورية إلا وفيها كل مكونات الشعب السوري ولا يوجد مكون لا يحتضن ضمنه من المكونات الأخرى وبالتالي أي تفكير بأي شكل من أشكال التقسيم الطائفي أو المذهبي وإن نجح على حين غرُة فإن مصيره الفشل الذريع.
3- إن التركيبة الاجتماعية والسكانية في سورية بغالبيتها العظمى لا تسمح بانعزال أو انفصال أي مكون أثني أو طائفي أو مذهبي أو عقائدي عن المجموع وبالتالي ورغم الجراح ستبقى سورية جامعة لكل مكوناتها في بوتقة واحدة هذا ما عَلَمَنا إياه التاريخ والجغرافية والسياسة وإذا شاء البعض اللعب على هذا الوتر ولا سيما في سورية والعراق فسيكون هذا بمثابة البداية لانتحار سايكس بيكو وبناء مجتمع مشرقي عربي جديد موحد منزه عن الطائفية والعشائرية متمسك بحقوق الإنسان محافظاً على الرسالات السماوية التي هي إضافة لإلوهيتها جزء من تراثه الذي نقله للبشرية.

CONVERSATION

0 comments: