الرجال مواقف: سيدي خادم الحرمين الشريفين/ محمد فاروق الإمام

تأثرت غاية الأثر وانا أستمع لكلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز التي وجهها يوم أمس الجمعة إلى المجتمع الدولي الصامت صمت القبور على ما يجري في غزة وما يرتكب فيها من فظائع وجرائم وحشية على يد الصهاينة المعتدين، وقد جاء في كلمته قوله: "نرى دماء أشقائنا في فلسطين تسفك في مجازر جماعية، لم تستثن أحداً، وجرائم حرب ضد الإنسانية دون وازع إنساني أو أخلاقي، حتى أصبح للإرهاب أشكال مختلفة، سواء كان من جماعات أو منظمات أو دول وهي الأخطر بإمكانياتها ونواياها ومكائدها، كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر المجتمع الدولي بكل مؤسساته ومنظماته بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، هذا المجتمع الذي لزم الصمت مراقباً ما يحدث في المنطقة بأسرها، غير مكترث بما يجري، وكأنما ما يحدث أمر لا يعنيه، هذا الصمت الذي ليس له أي تبرير، غير مدركين بأن ذلك سيؤدي إلى خروج جيل لا يؤمن بغير العنف، رافضاً السلام، ومؤمناً بصراع الحضارات لا بحوارها".
وهنا أجدني بعد أن جففت دموعي التي سالت بحرقة وألم واستفقت من مرارة العاطفة الجياشة التي غلفت حديث خادم الحرمين الشريفين وربطت بين كلمات خادم الحرمين الشريفين ودموع المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأنروا”، الذي أجهش بالكباء بشدة في مقابلة صحفية، على الشهداء والأطفال الذين يُستهدفون بنيران الحرب الصهيونية في قطاع غزة لليوم الرابع والعشرين على التوالي. 
وقد أقبل من موظف الإنروا دموعه فهذا كل ما يستطيع فعله، ولكنني لا ولن أقبل من خادم الحرمين الشريفين الاكتفاء بما جاء في حديثه وبإمكانه أن يفعل الكثير والكثير فالرجال مواقف والتاريخ يسجل.
بداية أستميح جلالة خادم الحرمين الشريفين إن أنا تجرأت على قول الحقيقة مقتبساً ذلك بمقولة الخليفة عمر بن الخطاب الذي حاججه بعض أفراد الرعية في قضية وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حاول أن يسكت هذا الرجل بعض أفراد حرس الخليفة فنهره قائلاً: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، ومن هنا أجدني أتجرأ على قول ما أريد قوله وعليكم يا خادم الحرمين الشريفين أن تستمعوا لما نقول:
سيدي خادم الحرمين الشريفين كلنا يعلم ما يتمتع به جيشكم العظيم من امتلاك القدرات العسكرية الهائلة المتطورة والحديثة والفتاكة التي يمكن أن تردع الصهاينة وتوقف شلال الدم الذي ينزف من أجساد أطفال ونساء وشيوخ غزة وأهلها، وهم بحاجة إلى ما تملكون من سلاح وعتاد وبغنىً عن الدموع والحسرات والآهات فلديهم الأطنان منها وقد جفت المآقي واعتصرت القلوب، إضافة إلى ما تمتلكونه من سلاح النفط الذي لا يقل قوة وتأثيراً عن سلاح الجيش وعتاده لو أردتم زجه في مواجهة من يدعمون إسرائيل ويمدونها بالسلاح الذي تقتل به أبناء فلسطين، وقد فعل ذلك أخوكم جلالة الملك فيصل طيب الله ثراه عندما أمر بوقف ضخ النفط إلى أمريكا وأوروبا في سبعينات القرن الماضي وفرض عليهم تغيير سياستهم في الشرق الأوسط ولجم إسرائيل ففعلوا ذلك نزولاً عند غضبته المضرية.
واسمحوا لي يا جلالة الملك أن أذكركم ببعض مواقف من سبقكم من ملوك وراحت هذه المواقف تضرب مثلاً في التاريخ ومنها على سبيل المثال لا الحصر موقف الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي تلقى من ملك الروم رسالة يهدده قائلاً: "من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ (القلعة في الشطرنج)، وأقامت نفسها مقام البَيْدق (الجندي في الشطرنج)، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثالها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وأفتدِ نفسك بما يقع به المبادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك".
ورد الرشيد عليه قائلاً: " من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام".
وسجل هذا الموقف لهارون الرشيد.
وهذا الخليفة المعتصم بالله يلبي نداء المرأة الهاشمية التي أخذت تصيح عندما وقعت في أسر الروم: "وامعتصماه"، ويقسم بأن ينتقم من الروم وأن يخرب مدينة عمورية مسقط رأس والد الامبراطور البيزنطي وأهم مدينة في آسيا الصغرى فقاد الجيش بنفسه وتقدم بجيوشه حتى التقى بجيش تيوفيل وهزمه ثم توجه إلى مدينة عمورية واقتحمها عنوة وخربها وأسر من فيها. وقد وصف الشاعر أبو تمام انتقام المعتصم بالقصيدة التي مطلعها:
السيف أصدق أنباء من الكتب.. في حده الحد بين الجد واللعب
وسجل هذا الموقف للمعتصم.
وأخيراً سيدي جلالة الملك عبد الله أقص عليكم حادثة ملك غرناطة التي لا أتمنى أن تتكرر والتي أنهت ثمانية قرون من ملك الأندلس على يد هذا الملك "أبو عبد الله الثاني" الذي استدعاه "فرناندو وإيزابيلا" ملكا الفرنجة لتسليم غرناطة فسلمها صاغراً، ووقف على مكان مرتفع خارج المدينة ليودع المدينة التي كان ملكاً عليها فبكى حسرة على ذلك الملك، فنهرته أمه قائلة: " ابكِ مثل النساء ملكاَ مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال".
مجدداً أعتذر إليكم جلالة الملك على جرأتي في قول الحق، التي قد لا تجدونها عند من حولكم، وأختم بحادثة وقعت لي في ثمانينات القرن الماضي لتكون لكم سيدي ولكل القادة العرب درساً قد تستفيدون منه:
أثناء تواجدي في العراق (1982-1991) تعرفت على رجل عرفت أنه كان دبلوماسياً وتسلم العديد من الوظائف في وزارة الخارجية العراقية ومنها سفيراً للعراق في سورية، وكان آخر عمل له أنه أحد عشرة رجلاً كانوا مكلفين برفع تقارير لصدام حسين عما يقوله الناس عنه سواء في داخل العراق أو خارجها، فأقسمت عليه بالله: هل تكتبوا الحقيقة؟ قال: لا، قلت له أنتم مؤتمنون، قال أعناقنا أهم من الأمانة فإننا نكتب له ما يهوى ويريد وما يطلبه منا أفراد الحلقة الأقرب إليه.

CONVERSATION

0 comments: