عباس بين المستحيل وغير الممكن/ نقولا ناصر


 
منذ "إعلان الاستقلال الفلسطيني" في الجزائر عام 1988، شهد النضال الوطني الفلسطيني انقلابا في استراتيجيته، من الرهان على "الثورة" على الواقع الذي وجد الشعب الفلسطيني نفسه فيه بعد النكبة عام 1948، و"المقاومة" لفرض هذا الواقع عليه، إلى الرهان على "الممكن" السياسي عله يغير هذا الواقع، ليكتشف اليوم من يصر على أنه "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب ونضاله بأن ما اعتقد واهما بأنه "ممكن سياسيا" هو في الواقع مستحيل.

ولأنه يدعي بأن العودة إلى استراتيجية المقاومة لم تعد خيارا ممكنا، متذرعا بالمتغيرات الدولية بعد هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر في الولايات المتحدة، وبالمتغيرات العربية بعد الإجماع الرسمي العربي على السلام بالتفاوض ك"خيار استراتيجي" والاحتلال الأميركي للعراق الذي أسقط آخر قلعة معارضة لهذا الخيار، فإن هذا الممثل الشرعي والوحيد يصر اليوم على أن يظل محاصرا بين المستحيل وبين غير الممكن، وعلى عدم الاعتراف بفشل استراتيجيته وبأن نتائجها كانت عكسية تماما، ويرفض ليس فقط العودة إلى استراتيجية المقاومة بل يرفض حتى إجراء مراجعة وطنية يتمخض عنها برنامج جديد للنضال السياسي إن لم تتمخض عنها استراتيجية جديدة للنضال الوطني.

وربما يفسر ذلك الوضع الشاذ الذي يجد "الرئيس" محمود عباس نفسه فيه اليوم، حيث يقول إنه ضحية ضغوط وصفها بالقول إنه "لا يوجد بشر يمكن أن يتحملوا الضغط الذي نتعرض له"، ومع ذلك يبدو شعبه "ناكرا للجميل" ويتخلى عنه في لحظة من المفترض أن يلتف حوله فيها، في إجماع حتى بين حلفائه قبل خصومه السياسيين على رفض استراتيجيته، لكنه لا يتوقف عن حراكه بين المستحيل وبين غير الممكن لكي يتساءل المراقب عن هذه الظاهرة غير المألوفة عالميا بين الشعوب وبين قادتها في المفاصل الحاسمة من تاريخهم.

لكن قبل التطرق إلى الأسباب التي قادت إلى هذا الوضع الشاذ لا بد من وقفة عند "الضغوط" على عباس.

فهو يقول إن "المجتمع الدولي" يضغط عليه للبدء في مفاوضات مباشرة، و"كل اتصال هاتفي أتلقاه هو ضغط"، بينما انقلب الدعم العربي الذي سعى إليه إلى عامل ضغط جديد عليه عندما أجازت له اللجنة الوزارية لمتابعة مبادرة السلام العربية الذهاب إلى المفاوضات المباشرة تاركة قرار التوقيت له، ناهيك طبعا عن جولات المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشل الضاغطة بدورها.

والمفارقة أن عباس الذي كان يراهن على أن "المجتمع الدولي" الذي طالما قال وما زال يقول إنه يتسلح به - - بديلا للمقاومة - - لإجبار حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي على الاستجابة ل"استحقاقات السلام" قد تحول باعترافه إلى عامل ضغط عليه لا على دولة الاحتلال، ليجد نفسه اليوم في موقف المتهم بكونه "العقبة أمام السلام"، وهو اتهام يحاصره عالميا، والوحيد الذي لا يصدقه هو شعبه فقط. وقد توج كل هذا الضغط ب رسالة "التحذير" الأميركي التي بعثها إليه الرئيس باراك أوباما وقال معاونوه إنها تضمنت (12) إنذارا.

إن وصف الخارجية الأميركية للتقارير عن رسالة أوباما لعباس بأنها "بلغت حد السخف"، وحقيقة أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية هي التي "سربتها" إلى وسائل الإعلام، هما وصف وحقيقة يعززان التحليلات بأن كل هذا الحديث عن الضغوط لا يزيد على كونه مناورة إعلامية لامتصاص الرفض السياسي والشعبي الفلسطيني لاستئناف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بتوفير الضغوط كمسوغات لا تترك لمفاوض منظمة التحرير سوى خيار الاستجابة لضغوط "الأصدقاء" الأميركيين و"الأشقاء" العرب، وجميعهم "شركاء في عملية السلام" ويستحيل خذلانهم!

إن مطالب عباس، التي تسميها دولة الاحتلال "شروطا مسبقة"، وتؤيدها في ذلك إدارة أوباما التي تضغط فعلا لاستئناف المفاوضات "دون شروط مسبقة"، ويسميها عباس "استحقاقات" على دولة الاحتلال بموجب الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة و مرجعيات "عملية السلام"، هي مطالب بحاجة إلى وقفة كذلك.

فما هو الجديد في المطالبة بالقبول المسبق بمرجعية حل الدولتين وبجدول أعمال محدد وسقف زمني محدد وببيان أميركي أو من اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحادان الأوروبي والروسي) كضمان ومرجعية لكل هذه المطالب مما يعطي ولو بصيص أمل بأن تلبية هذه المطالب يمكن أن تحدث أي تغيير في أي مدى قريب أو منظور؟

وربما يكون عباس خير من يحتفظ في سجلاته بعدد المرجعيات التي تم اعتمادها، وبعدد جداول الأعمال التي تم الاتفاق عليها، وبعدد المرات التي تحدد فيها سقف زمني للتفاوض، وبعدد الوثائق التي تؤكد مرجعية حل الدولتين، وبعدد البيانات الأميركية أو بيانات الرباعية التي تضمن كل ذلك وغيره.

فما هي الحكمة في تكرار تجربة المجرب بعد أن ثبت بأن هذا الطريق الدولي الذي يمر عبر ثقب إبرة أميركي هو طريق مسدود أو لا نهاية له وأنه طريق المستحيل الذي يسد كل طرق الأمل الأخرى ويجعلها غير ممكنة أمام الشعب الفلسطيني، ومنها طريق المقاومة، ليظل هذا الشعب محاصرا بين مستحيل استراتيجية عباس وبين غير الممكن فيها.

إن عباس الذي يصر على "شروطه" لإنهاء الانقسام الوطني الراهن من أجل تعزيز موقفه التفاوضي يتجاهل بأن الشرط الأول المسبق لذلك هو إعلان فشل استراتيجيته.

صحيح أن ذلك سوف يعزز صدقية استراتيجية حركة حماس بقدر ما يعزز موقفها السياسي، لكنه قبل ذلك يعزز صدقية ثلث أعضاء المجلس الوطني لمنظمة التحرير الذين عارضوا الانقلاب الاستراتيجي على استراتيجية المنظمة بالجزائر عام 1988 قبل أن تبلغ حماس سن الرشد فتصبح ما هي عليه اليوم، ويعيد المنظمة إلى مرجعياتها وثوابتها، مما يؤهلها حقا لكي تعود وطنا رمزيا حاضنا لكل الشعب الفلسطيني، ويؤهلها لكي تعود إطارا جاذبا لشراكة وطنية حقيقية لا إطارا طاردا لوحدة النضال الوطني الفلسطيني كما هو حالها اليوم.

لقد حول الانقلاب على استراتيجية المنظمة في الجزائر قيادتها من قائدة ممثلة لكل شعبها إلى "ما لم يكن متصورا أبدا ... للعمل بصفة دائمة كبلدية كبيرة لإدارة شؤون الفلسطينيين تحت الاحتلال" كما كتب مؤخرا الأستاذ بجامعة بيرزيت والمدير العام لمؤسسة "مواطن"، جورج جقمان، مضيفا أن "المأزق" الفلسطيني اليوم يكمن في "انه بعد 19 سنة من المفاوضات ... لم يعد من الممكن إجراء مفاوضات لمدة 19 سنة أخرى والاحتفاظ في الوقت نفسه بما يكون قد تبقى من الصدقية والشرعية". وهذا هو اليوم مأزق عباس واستراتيجيته التي تضرب وحدة النضال الوطني في الصميم بينما هذه الوحدة هي الشرط المسبق الذي لا غنى عنه لنجاح أي استراتيجية للنضال الوطني.

فقبل هذه الاستراتيجية "كانت أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية .. واضحة كل الوضوح. الوطن معروف والعدو معروف"، وبعدها "أصبح الشعب الفلسطيني شعوبا مختلفة .. شعب غزة (12%) .. وشعب في الضفة (18%) .. وشعب فلسطيني عاش على أرض الوطن تحت حكم إسرائيل .. وشعب الشتات: اللاجئون في البلاد العربية .. وشعب الشتات" في المهاجر الغربية، كما كتب عضو المجلس الوطني الفلسطيني والمنسق العام لمؤتمر حق العودة د. سلمان أبو ستة. ومن الواضح أن لكل من هذه "الشعوب الفلسطينية" استراتيجيته، بعد أن تفرق الشعب الواحد شعوبا بسبب هذه الاستراتيجية التي قادت إلى انفراط عقد منظمة التحرير كإطار جامع موحد، حد أن "توقع" قيادة المنظمة الحالية على تنازلها عن حقها في تمثيل شعبها "تحت حكم إسرائيل"، وتلتزم باحترام توقيعها.

ثم يتساءل المتسائلون: لماذا ينفض الشعب عن رئيسه وهو تحت "ضغط .. لا يوجد بشر يمكن أن يتحمله" بدل أن يلتف حوله مؤازرا !

* كاتب عربي من فلسطين

CONVERSATION

0 comments: