مراجعة نقدية لمعركة لعزةوتداعياتها(1): دراسة في السيكوبوليتك / د. أحمد محمد المزعنن


مع اقتراب موعد الجريمة اليهودية الصهيونية في الكانونين من عامي 2008م و 2009م والتي كان من نتائجها استمرار الحصار المضروب على قطاع غزة،وبقاء سكانه على العيش في الخيام فوق أنقاض وركام بيوتهم ومساكنهم ومدارسهم وجامعاتهم ومؤسسات ،ومع تكشف الكثير من الأدلة على تواطؤ سلطة جواسيس أوسلو مع الكيان اليهودي الإجرامي في مجتمع الجريمة الشاملة المحتل لفلسطين،والكيانات الوظيفية المساندة له،وفي ضوء ما وصلت إليه المفاضات العبثية بين اليهود جواسيس وسماسرة أوسلو مع استمرار السلطة العميلة في ممارسة البطش والإجرام ضد المقاومة الشريفة في الجزء الشرقي من الوطن(الضفة)،فإن (المكون الوجودي)الوهن السياسي السيكو بوليتيك Psycho_Politicلا يزال يمثل تحديًا قوميًا في الإستاتيك الحركي الذي يتراجع بالأهداف والأداء والإنجاز ،ومن المناسب أن نعيد نشر الدراسة التي قمنا بها في حينه بعيد انسحاب الغزو اليهودي الإجرامي لغزة .

أولاً : تمهيد

· إن ما حدث على أرض الوطن في غزة الأبية الصامدة منذ ظهيرة يوم السبت الدامي الموافق 27ديسمبر 2008م حتى مساء يوم السبت 23يناير 2009م يستحق أكثر مما استثاره من موجات الغضب العارم،التي تلونت بلون الدماء الزكية التي سُفِكت،وروَت تربة الوطن على مدى ما يقرب من شهر من الزمن،ويَستدعي كَمًا هائلاً من أدبيات سنيِّ النكبة أكثر مما أوحت به لأقلام الكتُّاب،وخيال وإبداع الشعراء،ويُشكل صدمة نفسية ومعرفية فوق ما أبداه الجميع ممن دفعتهم الحمية للتنديد بكل الأطراف التي ظهر تواطؤها واضحًا في التصرفات الفردية والفئوية والقطرية والمصلحية،وفي التحالفات والاجتماعات واللقاءات النوعية في أكثر من مكان،وفي أكثر من عاصمة،وفيما تمثل من سلوكيات التجاهل والتخاذل والتفسير المبتور،ومظاهر تصاعد الحقد واللؤم والانخفاض القيمي والأخلاقي الصريح والمبطن الذي تدنى أحيانًا ليصبح نوعًا من الشماتة الصريحة،وتعمُّد إلحاق الأذى النفسي بالمجاهدين الذين يواجهون بأجسادهم ودمائهم وأرواح أهليهم،وأنين الثكالى من نسائهم وأمهاتهم وأخواتهم،وصياح الأرامل والأطفال جيشًا زاحفًا من اليهود الغزاة القتلة،ذلك الجيش الذي سدَّ أجواز الفضاء،بعد أن اطمأن على مدى ما يزيد من عامين إلى إغلاق البر والبحر والجو إلا من طرق يسلكها الدعاء إلى الله،ويعبر بها الرجاء في مدد السماء.

· كان من نتائج القصور في الارتفاع إلى مستوى الخطورة التي مثلتها الهجمة الصهيونية أنه أمكن تشخيص مُكَوِّنٍ انحرافي على المستويات المختلفة لاتخاذ القرارات،وهو ما يمكن أن نطلق عليه السيكوبوليتيك،المرض السياسي،أو الوهن السياسي الذي تبين فيما بعد أنه جزء من خطة متكاملة للقضاء على حركة المقاومة حماس،وعند فشله تحول بالانخفاض بالأهداف من مجرد إحداث تغيير في الوضع،ثم تحول إلى عمل إجرامي تدميري،ولم يكن السكوت عنه والدفاع عن بعض جوانبه بأقل انحرافية من السلوك الإجرامي الأصلي الذي قام بها العدو الصهيوني.

· لا يستخدم الوهن السياسي في هذه المقاربة المنهجية بالمعنى الذي قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين،أي الإشارة إلى طبقات الحكّام فقط،بل يقصد بشكل مطلق تشخيص موضوعي لكل ما يتعلق باتخاذ القرار في تدبير الأمور،أي بالمفهوم الشرعي للسياسة بأنها:"تدبير الأمر بمال يصلحه"،وتقاس حالة الوهن الذي هو أعلى درجة من التقصير في ضوء ما كان ينبغي أن يكون،أو في ضوء ما كانت تلك الأطراف الموصوفة بالوهن قادرة على تحقيقه،أو هو ما تعمدت التظاهر بوجوده بطريقة احتياليةنتعبر عن العجز المصطنع،أو تظهر خصائص حقيقية للقصور الذاتي فجرتها الأعمال اليهودية الإجرامية،بحيث أحدثت صدمة ألجمت تلك الأطراف عن مجرد الكلام،وقامت بعملية إزاحة شعورية عمدية،أو لاشعورية مرضية للحدث،أفقد تلك الأطراف الاحتيالية جميعًا مجرد الإدراك السطحي المنشط للقوى الفطرية في مواجهة الخطر،إنه الوهن والقصور الذاتي الذي تكون لدى تلك الأطراف بسبب تراكم السياسات الخاطئة،والتغاضي عن الفساد المستشري في الجسم العربي على مستوى الوطن العربي تجاوزًا لكل دلالات التفتيت القطري.

· ثانيًا :المُكَوِّن الانحرافي( السيكوبوليتك ):

· توجد مداخل كثيرة لتحليل السلوك الإنساني ، وأبسطها ما يحلل السلوك إلى ثلاث مكونات رئيسة :الإدراك والوجدان والنزوع ، وهذا التحليل مدرسي بحت ، ولكنه يضيف الكثير من الفهم للسلوك ، والمدخل الآخر مدخل الفعل الاجتماعي ، فالفرد في جماعة أو مجتمع هو غيره منفردًا ، ففي الجماعة تلعب قوانين الدور والوظيفة دورًا مهمًا في تحديد السلوك ، وقد أضافت نظريات الاتصال والإعلام الكثير من المعرفة عن طبيعة السلوك الإنساني في المواقف المختلفة ، وطرق التحكم فيه وتوجيهه والتنبؤ به ، وأعقد مداخل تحليل السلوك هو المدخل السياسي الذي يستخدم نظريات لا حصر لها في تفسير السلوك الفردي والجمعي والأممي في كل مستويات الإدارة والعمل الدبلوماسي والإستراتيجي ، حيث تمتزج كل هذه المكونات للحصول على مخرجات القرار السياسي في الظروف العادية اليومية ، ولكنها ترتفع في درجة حركتها عند وقوع أزمة ما على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي .

· وفي الموقف الكارثي الراهن قيد الدراسة أسهمت متغيرات كثيرة لصناعة فعل غريب من السلوكيات الفردية والجمعية على الساحة الفلسطينية والمستوى الإقليمي يمكن أن نطلق عليه السلوك السيكوبوليتيكي، وهو مجموعة الأفعال الانحرافية الإجرامية التي صدرت عن الكيان الصهيوني وحلفائه الظاهرين (MANEFEST) والمستترين (LATENT) على مسرح قطاع غزة ، وفيما حوله من أقطار الأمة أثناء الحصار، ومنذ بدء العدوان ، وأثناءه ، وما بعده ، وهو ليس عملاً من أعمال الحرب التي تحتمل وقوع ضحايا ، بل هي أفعال انحرافية إجرامية وردت في سياق تشابكت فيها العوامل النفسية المرضية Psycho Pathological Factors والأفعال الاجتماعية الانحرافية Deviant Social Actions ، ومن مظاهره ما حاول عناصر هذه الجبهة أن يلصقوه بالفعل السياسي أو الممارسات الدبلوماسيةPolitical & Diplomatic Actions أو الإدارية أو ما يطلق عليه حُسْن التدبير Management في المؤسسات العليا والوسطى للقرار ، وفي المعابر والمؤسسات المدنية والرسمية وشبه الرسمية ، واتخذت مجموعات الأفعال المتساوقة المتماهية صورًا متعددة قُصد من تعددها وتعقدها وكثافتها غير المعتادة ضعف إمكان مواجهة تفسيرها وتجريمها ، وهي مركب سلوكي مؤسسي جمعي تشكل من مكونات سلوكية فردية نوعية متعددة ، ويتكون على مستوى التحليل العلمي من طائفة من الأفعال التي تقع في دائرة التفسير الاجتماعي للسلوك الإجرامي ، وأخطر ما فيها امتزاجها بالسلوك السياسي في بعض مستويات متخذي القرار في الوسط الصهيوني، وبعض الأوساط العربية التي تغلف سلوكها بما يمكن اعتباره سلوكًا صادرًا عن شخصية سيكوباتية ، ولذلك ظهر مصطلح السيكوبوليتيك الاحتيالي للتعبير عن تلك الأفعال التي توزعت هُويتها الانحرافية بين ما يمكن اعتباره سياسة وتدبير واعٍ ، وبين ما يمكن وصفه بأنه انحراف شعوري أو لاشعوري ، وذلك هي موطن الصعوبة في محاولة التفسير العلمي للسلوكيات الانحرافية للجماعات التي اقترفت هذا النوع من الفعل الإجرامي ، فالسلوك الاحتيالي في الإجرام الحديث تتسع دائرته (في هذه الكارثة الإنسانية ) لتدخل فيه معظم الصور الإجرامية التي رافقت السلوكيات السياسية الانحرافية التي حاول أصحابها تصويرها بأنها فنًا من فنون الممكن ؛ لتحقيق أهداف معينة (مقابلة الوزير أبوالغيط لقناة أوربت التي سيرد ذكرها بعد قليل )، ويكون الفعل السيكوبوليتيكي (أي السلوك السياسي أو الإداري المرضي الواهن) في هذه الحالة مكونًا معرفيًّا ساعدت على ظهوره مجموعة الأفعال الفردية والجمعية التي سبقت العدوان الإجرامي على غزة، وخلال أيام الحرب على المدنيين والمؤسسات المدنية، وبعد انسحاب جيش الاحتلال من القطاع وتمركزه على حدوده ، ولا زالت تلك الأفعال الإجرامية تمارس بشكل لحظي وليس يومي فقط .

كانت عملية التمييع المتعمد للنداءات ، والاضطراب المقصود في المواقف ،والتردد المبرمج في تجنب السلوك الإرادي ، والاسترخاء الانفعالي الذي وصل إلى حدِّ التبلد الوجداني ، والتجاهل المعرفي لمكونات الموقف الصراعي ، والتواطؤ الواضح لدى كل مستويات اتخاذ القرار الرسمي العربي ، بينما الشعوب تشتعل غضبًا تحاول تحريك جسد مترهل تخلت عنه روح الحميّة القومية ، كل هذه السلوكيات كانت بمثابة صور من الاحتيال الرخيص الذي غلَّف السيكوبوليتيك ، وأنموذجه المعرفي الفعلي في الجانب العربي (المعتدل)ما ورد من تصريحات وزير الخارجية المصري الأستاذ أحمد أبو الغيط في مقابلة مع قناة Orbit امتدت ساعتين ونصف، من الساعة 12.30 بعد منتصف ليل الثلاثاء حتى فجر الأربعاء 27يناير 2009م ،(أعيد بث المقابلة في نفس موعدها على نفس القناة يوم 5 فبراير 2009م بناء على طلب الكثيرين ) ولم يترك في حديثه أدنى شك في أن أحداث غزة كانت بعلم وتدبير مشترك بين الصهاينة وبعض الجهات العربية والأوروبية والأجنبية التي التقت إراداتها ، وتماهت سلوكياتها ومواقفها مع أفعال الصهاينة ، وفُهِمَ من كلامه في المقابلة ،وحماسه الزائد المبالغ فيه ، ومن تشديده على(قوة عزيمته) التي مزج فيها بين شخصيته وما تمثله مصر من عمق حضاري ، وادعاء مبالغ فيه على المقدرة الفائقة على صناعة الفعل ، وصناعة الخصم والتصدي له ، فُهِمَ من كل ذلك وبوضوح لا لَبْسَ فيه أنه مفوض شخصيًا لإدارة الموقف ، وكان هو شخصيًا على علم تام بالتفاصيل، بل كان هو الصانع والمدبر لكثير من جوانب الفعل السيكوبوليتيكي كما بسطناه في موقعه بمختلف الميادين التي تواجد فيها ، إن كلام هذا الوزير في التصريح وبقوة عمَّا قام به في صناعة المواقف والأحداث متسترًا وراء اسم مصر ووزنها وكثير من عبارات المبالغة والألفاظ مفرغة المعنى في ظل واقع يعلم الجميع حقيقة تناقضه مع ما ادعاه لهو أكبر تجسيد للسيكوبوليتك كما نتناوله في هذه الدراسة ، ومن يتفحص العبارات والأساليب ويربط بين الإشارات والانفعالات والمحاولات الكثيرة لحب الظهور النرجسي والجلسة غير الطبيعية على المقعد والتعبيرات السوقية باليدين والصوت المرتفع،وادعاء القدرات الخارقة لا يبقى لديه أدنى شك في تمثل ما ذهبنا إليه في تصوير السيكوبوليتيك في الواقع العربي المعاصر.

· اتخذ السيكوبوليتك العربي تحديدًا أشكالاً متعددة كانت كلها تقريبًا هروبًا متعمدًا من مواجهة الموقف المتأزم بأسلوب يرتفع إلى مستوى الحدث،وعملت التعمية المعرفية لأجواء متخذي القرار،وهروبهم من أمام الجماهير وكمونهم طوال أيام العدوان الإجرامي،عملت على إشاعة جو من البراءة الكاذبة لكل من مارس هذا السلوك الانحرافي، ولعبت مؤسسات الأمن دورًا رئيسًا في قمع الحريات ، والتضييق على القيادات الجماهيرية لتوفير الجو النفسي الآمن لدى مستويات القيادة حتى لا ينغص حياتهم،ولا نبالغ إذا قلنا :إن الكثير من مكونات طبقة أصحاب القرار،والطبقة المحيطة بهم نأوا بأنفسهم عن مجرد سماع أو مشاهدة آثار الجرائم الصهيونية ، بينما ضجَّ العالم الخارجي بكل مكوناته المدنية والاجتماعية نتيجة للصدمة التي أحدثتها الجرائم الصيونية.

· يمكن للمرء أن يتذكر بعض النماذج القديمة والحديثة للسيكوبوليتيك ،ففي التاريخ القديم تبرز صورة نيرون الذي حرق روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية،والفهرر أدولف هتلر الذي دمر ألمانيا،والدوتشي بنتو موسوليني في إيطاليا،والسير أنتوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا الذي أصيب بالانهيار بعد فشل أهداف العدوان الثلاثي على مصر 1956م،فحين يحاول الساسة المزج بين العُقد النفسية،والمشاكل الشخصية الشعورية واللاشعورية،ومركبات النقص الفردي لتقديم نسق من الفلسفات الشخصية ؛لتبرير الفشل أو تزيين المصلحة فيما ليس فيه إلا الخراب،وعندما يتم تنحية الجانب الواعي من الشخصية لتحل مكانه مجموعة الغرائز الفطرية الذاتية المكبوتة،ويتم تبلد الإحساس بطريقة انتقائية،وتستخدم هذه الحالة كمتغير مستقل في صناعة القرارات،وعندما تختلط المبادىء العامة والأوليات بالجزئيات والثانويات؛ فلا يستطيع من يدرس الفعل تبين الصواب من الخطأ،أو تبين طريق منطقي للوصول إلى الحقيقة،حينئذ يقدم من يمارس الفعل صورة ناطقة للسيكوبوليتيك.

· ثالثًا : الفرز المعرفي والوجودي

· من أجل تيسير التفسير العلمي للفعل السيكوبوليتيكي الذي مارسته الأطراف الداخلة في الصراع فمن الضروري فرز وتشخيص وتحديد تلك الأطراف بطريقة واضحة،وكلما كانت تلك العملية متقنة ودقيقة كلما كان الفهم ميسورًا،وتحققت أهداف الدراسة والبحث،وليس ذلك بالأمر المستحيل أو الصعب،فلأول مرة في تاريخ الصراعات تتمايز الجماعات ذات الأهداف والطبيعة المتناقضة،وزاد من درجة وضوحها أنها امتداد لصراع مزمن بين نقيضين تاريخيين وعقديين وواقعيين ومتصادمين تاريخيًا ومصلحيًا:يشكلان جبهتين متناقضتين في جميع الخصائص والجذور،وفي هذا السياق فإن لدينا ليس جماعتان ،بل جبهتان ،وللتبسيط وسهولة التفسير فإننا نتصور نوعًا من أنواع التجانس في مكونات كل جبهة، ووجود تناقض وتنافر بين كل جبهة والجبهة الأخرى.

· الجبهة الأولى : تكونت من الغزاة الصهاينة المحتلين لفلسطين ، وهي جبهة ضمت كل أصحاب المصلحة في القضاء على حماس،واجتثاث روح المقاومة الوطنية الفلسطينية،وإحباط جبهات الرفض القومي للكيان الصهيوني،لقد نجم العداء السافر للمقاومة الفلسطينية،وكشف النفاق عن نفسه بلا مواربة أو ستار،ولكن التزامًا بتجنب ذكر الأسماء نترك للقارىء أمر استحضار كل من صدرت عنهم مظاهر العداء الصريح بكل ألوانه وأشكاله،وأظهر فنون التخاذل والتسويف والقصور الإرادي والعجز الاختياري،والمراء الفردي والجمعي،فإن هذه الأمور معروفة المصادر والمنطلقات والشخصيات،وتوضيحًا للأمر نقول إن هذه الجبهة هي ما تُطلق على نفسها جبهة عملية السلام والالتزام بما يُعرف بالمبادرة العربية للسلام،وكل من يعترف بسلطة أوسلو ورموزها كممثلين مزعومين للشعب الفلسطيني ،بدوافع وغايات تتفاوت وتتباين من جهة إلى أخرى،ومن مكونات هذه الجبهة تمايز مكون جديد أثناء أحداث الفعل الإجرامي اليهودي على غزة ،وهم الطابور الخامس (الجواسيس والعملاء) الذين كان لهم دور في التدمير الانتقائي للبيوت،وفي مطاردة المقاتلين،وتعززت هذه الجبهة بحشد من الكتاب والمحللين والمعلقين الذين انحازوا إلى الجانب المعتدي وكلٌ له دوره ومنطقه في تبرير ما يصدر عنه (راجع القائمة التي وردت في مقال الكاتبة الصهيونية ليا أبراموفيتش على موقع وزارة الخاجية الصهيونية ).

· والجبهة الثانية: حركة المقاومة الوطنية بتشكيلاتها المتعددة وروافدها القومية والشعبية والإنسانية بكل أطيافها ومنطلقاتها ، وتجسدها تحديدًا حركة المقاومة الإسلامية حماس،والجهاد الإسلامي،وبقية فصائل المقاومة،وأضافت إليها رموز الجبهة الأولى عاملاً خارجيًا هو إيران وسوريا كمصدر دعم ماديٍّ ومعنويٍّ،بهدف تبرير السلوكيات الانحرافية بكل أشكالها،وبحجج تكرس حالات الفصام في القول والفعل.

· بالمقياس المادي يظهر الخلل واضحًا في ميزان القوى بين الجبهتين لصالح الجبهة الأولى،وبشكل يبعث على اليأس لأول وهلة،ولكن في حقيقة الأمر وعلى مستوى الفعل فإن الجبهة الثانية أظهرت مؤشرات حقيقية من خلال الأداء الميداني تثبت أن معايير القوة المادية لم تكن هي الفاصلة في الحكم على النتائج،وقد كانت سلوكيات السيكوبوليتيك من أهم عناصر الضعف في الجبهة الأولى التي افتقرت إلى الانسجام والتوافق ، ونقصها الصدق والثبات،وعانت الكثير من الاضطراب على مستوى اتخاذ القرار العقلاني ، فاستعاضت عنه بالتخبط والسلوكيات السيكوباتية التي ألبست ثوب السياسة وحسن التدبير مزيدًا من التعمية.

· وسوف نتجنب في هذه الدراسة ما أمكن ذكر أيٍّ من الأسماء التي تواجدت في ساحة الأحداث،واشتركت في التمهيد أو صناعة الموقف الصراعي بصور متعددة ، أو كان لها تأثير فيما أعقبه إلا في حدود ضيقة عندما يكون لا مفر من دعم حجة تؤيد التحليل العلمي لما وقع على أرض قطاع غزة ما بين 27ديسمبر 4008م إلى 23يناير 2009م ،والأسباب الداعية إلى ذلك هي :

· احترام عقل القارىء بتقديم تحليل علمي موضوعي لمتغيرات المرحلة التي سبقت الحدث وأثناء الحدث وما بعده .

· الابتعاد ما أمكن عن التعمية المعرفية ،والترفع عن التوظيف المصلحي لآلام الشعب الفلسطيني، فلا يوجد مَنْ أو ما هو جدير بمجرد ذكر اسمه في أي جهد علمي يتناول هذه الجولة الجديدة من المعركة الدائمة مع العدو الصهيوني اليهودي الخزري ، فالتضحيات والبطولات والآلام أكرم وأعظم من أن يجنح الإنسان إلى التلهي بها ، أو الانشغال عنها بترديد الأسماء والمسميات.

· الاحتياط ضد شخصنة الموقف بالانسياق وراء الانفعالات والعواطف ، على الرغم من أن الوقائع من شأنها أن تخض كيان أشد(الكائنات) قسوة وأكثرها عنفًا،فما بالك بالقلوب الإنسانية التي فطرها الله على الرحمة والبراءة والفطرة السوية ؟

· الابتعاد عن محاذير التابو العربي الرسمي الذي ينشط مع كل مأساة ليضيف إلى قائمة المطاردين قوائم لأعداءٍ مُتَخيَّلين استجابة لمكونات (سيكوباتك) مُشرعَن عميقِ الجذور خلَّفه العجز الإرادي أمام النقيض التاريخي والعقدي ، وحشد كل عناصر القوة لمواجهة هذا العدو الداخلي المتخيَّل، مع الإصرار على الاستمرار في ذلك واعتماده منهجًا مطردًا .

· رابعًا : مداخل تفسيرية للفعل السيكوبوليتيك

· مدخل النظرية الاجتماعية في تفسير الفعل:تقدم مقولات النظرية الاجتماعية في تفسير الفعل الفردي والجمعي إمكانات واسعة لتفسير ظاهرة السيكوبوليتيك التي سبقت ورافقت وأعقبت أحداث المأساة الأخيرة في قطاع غزة،وقد قامت الأطراف المتربصة بحماس والمقاومة الفلسطينية عامة بكل أشكال الفعل الاجتماعي الذي تفسره نظريات الفعل الاجتماعي من كلا مدخلي ذلك الفعل،(النظرية البنائية الوظيفية ونقيضها نظريات الصراع بمفهوميه،الفعل بمفهوم الصراع الثقافي بمعنى نزاع conflict والفعل بمفهوم الحرب قتال struggle،وتشترك في هذه الإمكانيات بعض مداخل نظريات الإعلام المعرفي التي استخدمت بطرق مقصودة وبتركيز شديد في تغطية وتفسير هذه الأحداث بطرق اختلط فيها الموضوعي بالذاتي ، وتشابكت أشكال العمل الإعلامي المحايد والمنحاز،وساعد على ذلك الكثافة الإعلامية الهائلة التي وفرتها التقنية،والتي تلح على توظيفها جريًا وراء تحقيق الأهداف الكلاسيكية للعمل الإعلامي.

· كما أنه ليس من الممكن تجاهل نظريات الجريمة المعاصرة في تفسير السلوكيات الصهيونية الإجرامية،والأفعال التي صدرت عن الأطراف التي ظهر تواطؤها واضحًا وصريحًا بغية تحقيق صدمات معرفية وثقافية ،وتعزيز قناعات معينة خدمة لما يعتبر مصلحة من أي نوع؛لأن مقياس المصالح مقياس نسبي انتقائي .

· في تفسير السيكوبوليتيك كما ظهر في الأزمة الراهنة على مسرح الأحداث في قطاع غزة من بين المداخل المختلفة للنظرية الاجتماعية نكتفي بمدخلين لتفسير الفعل السيكوبولتيكي وهما: مدخل النظرية البنائية الوظيفية ، ومن مدخل الصراع الثقافي نختار نظرية أوستن تورك .

أ ـ مدخل النظرية البنائية الوظيفيةStructural Functionalism Theory:وفق هذه النظرية فإن البناء الاجتماعي يميل إلى الحفاظ على تماسكه وفق قوانين خاصة،ويقاوم أي محاولة للتغيير،أو التأثير على الثباتStability،وأن النُسق المتعددة في البناء الوظيفي للكيان الاجتماعي تقوم بوظائفها في وجود الثبات والاستقرار،وتحدد قوانين الدور والوظيفة والتماسك والعمليات الاجتماعية مسارات الفعل الاجتماعي الكلاسيكي في مستوياته المختلفة،ومن بين الأمور الجديرة بالذكر في هذا التحليل أن منتقدي النظرية البنائية الوظيفية يتهمونها بأنها تدعو إلى المحافظة على الوضع الراهن بكل ما يحمله من نقائص،حتى أصبحت هذه السمة هي الخاصية المتغلبة على غيرها في هذه النظرية.

ولكن من حتميات البناء الوظيفي التي يعترف بها انصارها :أنه قد يوجد في مرحلة ما من مراحل تطور المجتمع حالة من الوهن الوظيفي أو التحلل البنائي (Functional Dysfunction) وهذا قد يشكل مشكلة في ممارسة الفعل الاجتماعي البنائي بنجاح،وقد يظهر في صورة فعل احتيالي رمزي لتبرير سلوكيات غير مبررة (كما وصفها قديمًا ميكيافيللي) ، وقد يظهر شكل من أشكال اللامعيارية بمعْلميْها:الترفي والعَوَزي(كما هي عند دوركايم وعلماء اجتماع الأنومي Anomie). وتكمن هنا الأسباب الحقيقية لبعض المواقف العربية من المقاومة الفلسطينية وتأييدها لأصحاب فريق أوسلو الاحتيالي الانتهازي،فقد صنفت هذه الجهات حركة المقاومة الإسلامية حماس والحركات المقاومة الأخرى بأنها تشكل خطرًا على أبنيتها الاجتماعية ونسقها؛وبالتالي فلا بد من التخلص منها أو الحد من أخطارها،والتقت في ذلك مع التصنيف اليهودي الصهيوني المبدئي والدائم لأي نوع من أنواع الفعل الفلسطيني الوطني المعارض والنقيض التاريخي والفكري والعملي للكيان الصهيوني،وهذا يتضمن خطورة يمكن وصفها بالوهن الوظيفي أو السيكوبوليتيك كما أطلقنا عليه مجازًا، وخاصة عند الالتقاء في وحدة الهدف وغموضه خشية من مواجهة مفاجآت،وسبقت الحرب الإجرامية حملة وصم Labelingوتشويه متعمد للعمل الجهادي كان من بين أشكاله وضع حماس خاصة في قارب سوريا وحزب الله وإيران،ولم يكن من الصعب إدراك الهدف من التكرار الدائم لوحدة الخطاب الذي قادته الذئبة ليفني ونصيرتها رايس المغادرة حتى آخر يوم لها في الإدارة الأمريكية، وانسجم هذا الخط بوضوح مع الخط الذي تتبناه جبهة عربية واضحة المعالم ممن أطلق عليهم بجبهة المعتدلينKالذين أضافوا إلى صفهم فريق أوسلو الانتهازي الذي وجد فيهم قارب نجاة مجانيًا خلصه من مصير محتوم على الساحة الفلسطينية؛ نتيجة لتجاوزه كل الخطوط الوطنية الحمراء ، ووفرت له بيئة رام الله الصهيونية حضنًا رؤومًا أضاف إلى دفئه هذا التبني المريب من جبهة عربية لا يمكن الاستهانة بها.

ووفق النظرية الاجتماعية في تفسير الفعل فإن هذه الجبهة وضعت في مقدمتها وزير الخارجية المصري بكل ما يمثله من مظاهر الفعل التي ثارت حولها الكثير من التساؤلات،وليس أبسطها تجاوز حدود مهنته الدبلوماسية التقليدية كوزير خارجية لأكبر دولة عربية،وأكثرها احترامًا وتقديرًا على المستوى الدولي،وأثقلها وزنًا بمقياس الحضارة الإنسانية .

· (في مقابلة له مع قناة أوربت 27 يناير 2009م صرح وزير الخارجية المصري بكل وضوح أن حماس وإيران وسوريا وحزب الله كانوا يعدون فخًا استراتيجيًا كبيرًا لمصر ، وتساءل:ماذا كان سيحمي 179 فندقًا في جنوب سيناء تدر علينا ذهبًا ؟ واعترف صراحة أنه هو شخصيًا من أفشل قمة الدوحة،وحرمها من النصاب القانوني لانعقادها).وهذا في نظر هذا الفريق يبرر كل السلوكيات كما جرى تمثيلها على مسرح الأحداث،وليس مهمًا ما يقال عنها ما دامت تنسجم تمامًا مع ما تعتبره بلاده أهدافًا مشروعة للدولة.

· ولا تزال هذه الأفعال تتوالى في سياق بدأ بافتراء الذئب على الخروف بأنه عكَّر عليه الماء رغم أنه في أسفل الجبل،ولما واجهه بهذه الحقيقة الجغرافية المادية قال له:إن أباك هو الذي فعل ذلك؟وهي أمور يلجأ إليها القوي تحت ظروف لا فكاك منها كضغوط التزامات اتفاقية كامب ديفيد،وأكاذيب عملية السلام،ووعودها الخادعة،وسباقها الماراثوني العبثي،وما استدعاه وتلاه من تشويه وتسفيه منهج المقاومة بكل أشكالها.فقد اختلطت هنا الخطوط الفردية والاجتماعية والرسمية والأمنية،وتداخلت الرؤى،ووفر الانفراد في الرأي،والتفرد بالقرار بيئة مناسبة لكل أشكال الفعل السيكوبوليتيك في كل المستويات،وتُركت الجماهير تحترق غضبًا دون أن يلوح في الأفق مجرد بصيص نور يبشر بما يشبه الفعل للرد على اليهود الصهاينة .

· ب ـ مدخل الصراع الثقافي في النظرية الاجتماعية Cultural Conflict Approach :في سعيه لتقديم نظرية عامة لتفسير الانحراف الاجتماعي من منطلق الصراع الثقافي أورد أوستن تورك (Austin Turk ,1959) ست قضايا فسر بها مجريات الصراع بين السلطة والخارجين عنها وهي:

· ـ يقع الصراع عندما تتلبس وتتغلف التباينات السلوكية بتباينات ثقافية.

· ـ يكون الصراع أكثر احتمالاً عندما يكون من يرتكبون الأعمال غير الشرعية من وجهة نظر السلطة أكثر تنظيمًا.

· ـ يقع الصراع عندما يكون الأفراد المعارضون أقل حنكة.(وقوع حماس في مزال اتخاذ القرار وسوء تقدير الأخطار رغم وضوحها نتيجة للتعمية والتقليل من الخطورة من أطراف معينة)

· ـ يزداد فرض المعايير الشرعية من وجهة نظر السلطة بازدياد الانسجام بين المعايير الثقافية والسلوكية (حالة حصار حكومة حماس في غزة).

· ـ كلما كانت قوة المقاومين للسلطة منخفضة كلما زاد احتمال فرض الإلزام(شروط العدو الصهيوني وحلفائه المبطنين).

· كلما قلت واقعية معايير من يخرقون القوانين(مثاليات المقاومة)كلما زاد احتمال فرض القوانين (القوانين بكل مستوياتها المدنية والسياسية)،(التشدد في الشروط الصهيونية والتخاذل العربي الرسمي،ورفض التفاوض مباشرة مع حماس،ورغم أن قضية الحرب على غزة أكبر من أن تفسرها نظرية محدودة فإن في هذه النظرية بعض المبادىء التي تفسر موقف محور الاعتدال العربي نحو حماس،فحماس بالنسبة لجبهة الاعتدال جرى توصيفها نهائيًا بأنها عصابات خارجة عن القانون(خوارج جدد،وجماعة انقلابية،يجب القضاء عليها بمررات عديدة تبرر ما قام به الجيش اليهودي الصهيوني ،تهدف إلى الخروج عن الإجماع وتغيير الأمر الواقع الراهن).

· وتُعزز هذا التفسير بعض مداخل نظرية الوصم الإجرامي Stigmaلعالم الجريمة الفرنسي المعروف ( أدوين لِمرت Edwin Lemart )والعالم بيكر , Backerحيث مورست أساليب مقصودة من الوصم وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام،(يطلق الصهاينة على المقاومة مصطلح الإرهابيين،وفريق سلطة أوسلو يعرفونهم بأنهم (قوة ظلامية ، وأنهم شيعة ،و"إذا كانت المقاومة ستفني شعبنا فنحن لا نريدها " ،صواريخ عبثية ، إمارة ظلامية ، إمارة إسلامية على حدودنا ...إلخ)وانتشرت عبارات الوصم حتى كادت أن تصبح ثقافة شعبية تقوم بعزل الفعل السيكوبوليتك تمييزًا له عن الفعل الراشد المتوقع من أصحاب القرار في قمة هرم السلطة .

· مدخل جدار الحماية الثقافي Cultural Firewall Defense Approach: فمنذ الأيام الأولى للكيان الصهيوني وطوال مراحل الصراع تشكلت ثقافة ثابتة راسخة رافضة لهذا الكيان،امتزجت في المكونات الأصيلة في الميثولوجيا والفلكلور والثقافة الشعبية لجماهير الأمة،وكان أحد الأسباب الرئيسة لتكون وسيطرة الثقافة الرافضة هو أن كِلا مصدريْ المكون العقدي الرئيسي لشعوب الأمة العربية وهما (القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وعلومهما والموروث التاريخي التراكمي لهما) يقدمان بناءً معرفيًا جاهزًا شديد الصلابة والترابط والوضوح لتأصيل وتفسير الصراع مع هؤلاء الغزاة،ولم تفلح كل محاولات بتر تأثير هذا المكون،أو إبعاده عن منهج التفسير للفعل الفردي والاجتماعي للأطراف الداخلة في الصراع، فظل الفعل الاجتماعي للجماهير يصدر عن دوافع أشبه (بالغرائز الثقافية)نحو المكون الصهيوني اليهودي الغازي،وشكلت المكونات العقدية نوعًا من الدجماتية المعرفية في مستوى التوجيه الشعوري واللاشعوري،لعب دور جدار حماية يستحيل اختراقه حتى في أشد ساعات الضعف التي أعقبت الهزائم المتوالية للجيوش الرسمية،وللأنظمة التي تملصت من تبعات مواجهة العدو الغازي،وتضاءلت أمام صلابته كل النظريات والاجتهادات البشرية،ونحن لا نركن في هذه الدراسة إلى النظريات الاجتماعية من مدخليها التفسيرين لتفسير السلوك السيكوباتي بمعزل عن المكون العقدي الدجماتي الاجتماعي لهذا المكون الديني،مع اتساع المنهج التفسيري ليشمل كل الاجتهادات الإنسانية التي نعتقد أنها لا تبتعد كثيرًا عن المكون الديني،ولذلك أدلة وحجج لا يتسع المقام لذكرها .فمدخل النظرية الاجتماعية في تفسير السلوك السيكوباتي حاضر وجاهز لدى محاولة تفسير السيكوبوليتك من مدخل الفعل الانحرافي،وتحديدًا نظريات تفسير السلوك الإجرامي،ونصًا النظريات الاجتماعية التي ظهرت مؤخرًا لتفسير السلوك الاحتيالي.

هذا المدخل هو أداة تفسير أفعال حماس وحلفائها في مواجهة العدو الصهيوني والأحزاب التي التقت معه،وتقاطعت مصالحها مرحليًا مع مصالحه،وهو جدار حماية لا يخذل أنصاره والمحتمين به،وقد لجأت حماس إلى أفعال مبتكرة كثيرة تحت ضغط متغيرات موقف صراعي يحكمه اختلال موازين القوة المادية،وتفتقر بيئته إلى جدر الحماية الطبيعية كالجبال والغابات والعمق الإستراتيجي،فعوضت هذا الخلل بعوامل صمود لا تزال من الأسرار،وعندما تتوفر الظروف المناسبة للكشف عن بعض هذه الأسرار حينها سيذهل فلاسفة وعلماء الحرب،ومخططو الإستراتيجيات من عبقرية هذا الشعب وأصالة معدنه، وأن الإيمان لا يُقهر،وأن لله عبادًا إذا أرادوا أراد،وحينئذ ستتبدل الكثير من النظريات،وسيعاد النظر في تحديد عوامل الانتصار،ويعود العالم عندها إلى إعادة الاعتبار للقيم والمثل العليا التي كافح الإنسان طويلا من أجل حمايتها،والدفاع عنها في وجه الطغاة الذين يمثل الصهاينة حاليًا أحط النماذج التي عرفتها البشرية لها .

· مدخل علم ضحايا الجريمة Victimology وفيه الكثير من المداخل التفسيرية للعلاقات بين الضحية الفلطسيني المدني (مئات الضحايا من الأطفال والنساء وكبار السن) وبين المجرم الصهيوني ، فمبدأ الاستهتار بالضحية عند عالم الجريمة (ترافيس هيرشي Travis Hirshi) وهو من مبررات السلوك الإجرامي ينتج عن الفرق الكبير بين موقف كلا المجرم والضحية من حيث القوة والضعف الماديين ، والإمكانات المتاحة للفعل الإجرامي المسلح وما نتج عنه من أفعال إجرامية تدميرية للبيوت والمؤسسات،وبالطبع فإن من آثار ذلك حدوث فارق نفسي بين جنديٍّ مجرمٍ يشعر بالتفوق المطلق،وحماية تامة من أي مسئولية ،وهو قد نشأ وتربَّى على ثقافة التصفية الجسدية والمادية للنقيض بغية إزالة آثاره لكي لا يترك له أي أثر يذكره بالجريمة،وتنمحي أثارها بزوال الملابسات التي تذكر بها)، وإنسان أعزل يبدو له أنه قد نال من تماسكه النفسي . ونشاهد هنا (التفوق الهائل في تقنية جديدة متمثلة في أنواع من السلاح المحرم دوليًا ، واحتمال أن يكون المجرمون الصهاينة يقومون بتجربة أنواعًا من الأسلحة الجديدة حصلوا عليها أو على تقنيتها دون مقابل أو تلقوا أموالاً نظير تجريبها )كما صرَّح بذلك أحد الأطباء الذين زاروا مستشفيات غزة في إحدى الندوات في القاهرة ، ويمكن فهم هذا السلوك الإجرامي في ضوء مبدأ الاعتبارات العنصرية والدينية الدافعة للجريمة ومبدأ إرهاب الدولة هي من المبادىء التي قررها ولاحظ تطبيقاتها الكثير من الباحثين والعلماء في ميدان ضحايا الجريمة في الدول الصناعية وأشهرهم حاليًا كاترين وليامز (Williams,2005) وعدد كبير من الباحثين في ميدان ضحايا الجريمة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية،ولكنها تمارس لأول مرة في البيئة المدنية ليكون للفعل آثار أقوى بكثير من الاستجابات الطبيعية المتوقعة في حال استخدامها عسكريًا.)

· مدخل نظرية النشاط الرتيب في تفسير السلوك الإجرامي Routine Activities Theories :من مراقبة ما كانت تنقله القنوات الفضائية على مدار الساعة من ميادين الفعل الإجرامي الصهيوني ظهر واضحًا أن السلوك الإجرامي الصهيوني الذي قامت بها قواتهم في قطاع غزة لا يفسر على أنه أعمال حربية،ولكنه وفي ظل متاهات الساسة الصهيونيين العنصريين الذين أغراهم تفكك جبهة المقاومة العربية القومية،والذين مضوا بعيدًا في الانفراد بالمقاومة الفلسطينية يمارسون الإجرام كسلوك روتيني يومي كأي سلوك تفسره نظرية الأنشطة الرتيبة لصاحبها عالم الجريمة العالمي المعروف ماركوس فيلسون Felson,1994) (Marcus حيث لم تَعد الجريمة كما تمارسها السلطات الصهيونية سلوكيات معقدة بل تحدث بشكل روتيني كما تمارس السلوكيات العادية في الحياة اليومية،وانغماس كل طبقات أصحاب القرار الصهيوني في نشاط يومي من الحرب المعلنة على قطاع غزة هو من قبيل السلوك الإجرامي كما فسرته هذه النظرية، (ومن هذا المنطلق يصبح من الأمور المشروعة تقديم كل من تورط في تلك الأفعال للمساءلة الجنائية والمحاكمة الدولية) ، فالقتل ونسف البيوت لا يحتاج إلى تخطيط أو دراسة كما كان يُظن سابقًا ، بل يقوم به جنود العدو الصهيوني كسلوك روتيني لا يحتاج إلى أي جهد ، وقتل الأطفال في أحضان أمهاتهم ، ونسف المساكن على المدنيين بينما الجنود الصهاينة يأكلون الشبس والشيكولاته (كما أفادت إحدى الفتيات الناجيات من مذبحة عائلة السموني المنكوبة لقناة الجزيرة القطرية ) كل ذلك يؤكد هذه المقولات التي أوردها فيلسون في نظريته عن الجريمة العادية في الحياة اليومية ، وكان للصهاينة قصب السبق في قتل المدنيين الأبرياء وتخريب المؤسسات المدنية بلا سبب أو تفسير مقنع . (اغتيال الشهيد محمود عبد الرؤوف المبحوح في فندق البستان روتانا بدبي في 19يناير 2010م)

· ويعزز تفسير تلك السلوكيات الإجرامية مبدأ تسهيل الفرصة وهو مبدأ يمكن اشتقاقه من مبدأ تصعيب الفرصة في علم مكافحة الجريمة ،وحسب مقولات هذا العلم فلكي نمنع الجريمة يجب سد جميع الثغرات أمام المجرم بحرمانه من أحد أضلاع مثلث الجريمة : الفرصة والجاني والهدف ، فالصهاينة والأطراف المتحالفة معهم في السر والعلن سهلوا فرصة انقضاض الصهاينة على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة ، وجعلوا ممارساتهم اليومية للجرائم نوعًا من التسلية السهلة حيث اجتثت سلطة أوسلو في رام الله جذور المقاومة في الضفة الغربية ،وحوصرالمقاومون في الضفة الغربية وغزة ، وأصبح الشعب الفلسطيني صيدًا سهلاً للصهاينة المجرمين .

· ومن الملاحظ على الجرائم الصهيونية التي ارتكبت في غزة طوال معركة العزة (27 ديسمبر 2008م ـ 23يناير 2009 م) أنها كانت بصورة أو بأخرى جرائم فردية انتقائية أسهم في التمادي فيها وممارستها بشكل روتيني إصرار بعض الأطراف العربية على التمسك بما يُعرف بمبادرة السلام العربية،وقُدِّمَت تفسيرات وتبريرات غريبة لهذا الموقف الذي عمل على ظهور فرز مصطنع للإجماع العربي ولأول مرة فيما يتعلق بالجرائم الصهيونية التي فاقت كل توقع،وكان من شأن ذلك أن يزيد من حدة الانقسام ، وتمادي الصهاينة في جرائمهم للاستفادة من تلك الحالة الشاذة .



خامسًا : المخرج (نحو استراتيجية نضالية جديدة )

· المقاومة الممنهجة الراشدة المنضبطة متعددة الصور والمستويات ، التي تدرس الفعل ورد الفعل ،وتحسب لكل أمر حسابه،ورفض دعاوى السلام بشروط العدو أو شروط أوسلو المُذلة .

· العمل بلا كلل أو ملل على إعادة اللحمة القومية إلى الصف العربي ، ومقاومة أي دعوة للانقسام ، أو تكريس الفرقة ، واتباع طرق اتصال نشطة مع كل الأطراف بما فيهم مركز الثقل القومي والديني في محور مصر ـ السعودية ـ الأردن .

· استثمار الزخم الجماهيري في نصرة القضية الفلسطينية ، وتنويع الخطاب الوطني ليتناسب مع كل موقع من مواقع الأنصار،وتشجيع الروابط الوطنية المشتركة بين شعوب العالم والشعب الفلسطيني، وتوظيف الطاقات الهائلة في النخب المهنية والقيادية للشعب في دول الاغتراب .

· رفض أي دعوة للقاء مع فريق أوسلو حتى يعودوا إلى الأولويات والثوابت،ولا يُعتد بالدعوات الاحتيالية الخبيثة التي تصدر عن هذا الفريق بين الحين والآخر بعد صمود المقاومة ، فلا وجود لتلك الرموز الهابطة بعد اليوم في الصف الفلسطيني.

· تقوية العلاقة بين الداخل الفلسطيني والخارج الفلسطيني ـ كررت كلمة الفلسطيني لهدف وطني إستراتيجي ـ ونبذ التصنيف الخياني العبثي لفئات الشعب كما فعلت أوسلو المشؤومة.

· الحفاظ على مكتسبات الشعب النضالية المتمثلة في بناء السلطة الوطنية،والعمل على دعمها ،وتنقيتها من شوائب الفساد الذي حرفها عن مسارها الوطني.

· اقتسام المسؤولية الوطنية في النضال من أجل الحقوق الثابتة بدرجة المشاركة التي تتناسب مع الإسهام الحقيقي في حفظ الثوابت ،وهذا يتطلب خلق آليات جديدة للنضال المتشعب.

· تنويع مؤسسات العمل الوطني بحيث تصبح محاضن ومواقع لاكتشاف وتدريب القادة،وتأسيس أجهزة للرصد والرقابة والمحاسبة تحد من أثر النزعات الفردية في التفرد بالقرار الوطني.

o (واللهُ غالبٌ على أمرِهِ ولكن أكثرَ الناسِ لا يعلمون )(يوسف 21)

o دكتور أحمد محمد المزعنن mr_ahmed48@hotmail.com

CONVERSATION

0 comments: