الحد الأدنى للأجور: تمخض الجبل فولد فأراً/ راسم عبيدات

 .....بعد صدور القرار من قبل وزير العمل الفلسطيني الدكتور احمد المجدلاني بتحديد الحد الأدنى للأجور ب (1450) شيكل شهرياً وبعد طول نقاش ولقاءات واجتماعات،وليتمخض الجبل ويلد فأراً،وأنا لا أستغرب أن تتعاون الحكومة وتتآمر على العمال مع أرباب العمل والرأس المال المحلي فهناك مصالح مشتركة تجمع الطرفين ومنفعة متبادلة،فالسياسات الاقتصادية للحكومة تبنى وتقوم على أساس خدمة مصالح الرأسمال المحلي التجاري والريعي والخدماتي لأنه هو الذي يوفر لها الصيرورة والبقاء في الحكم والسلطة،وبالتالي فإن تشريعاته وقوانينه تكون خادمة لحليفه الطبقي وليس نقيضه،والطرفان يشتركان في استغلال الطبقة العاملة إلى أقصى حد ممكن،وجعلها رهينة الركض وراء رغيف الخبز،خدمة لمصالح هذه الطبقات والشرائح الاجتماعية،،وحتى تمكن السلطة في الحكم ،وتبقي الطبقة العاملة خانعة وذليلة ومستجدية،وهذا ما ظهر جلياً من اتفاق الحد الأدنى للأجور،وهو ليس بالمستغرب،ولكن الذي يثير الاستغراب الى حد السخرية،هو ان تقوم اتحادات عمالية تدعي زوراً وبهتاناً تمثيل الطبقة العاملة والتعبير عن مصالحها والدفاع عن حقوقها ومطالبها ومصالحها بالاشتراك في تلك المؤامرة دون أدنى خجل او حتى شعور بالمسؤولية،وبشكل سافر ووقح،حيث أن اتحاد عمال النقابات المستقلة(محمود زياده ) واتحاد عمال فلسطين (حيدر ابراهيم ) وافقا على هذا الاتفاق في الوقت الذي رفضه الاتحاد العام للنقابات العمالية(شاهر سعد ).
ورفضنا لهذا القرار الذي نرى فيه مساً خطيرا بالطبقة العاملة الفلسطينية وحقوقها ومصالحها ومنجزاتها ومكتسباتها،وحتى امتهان لكرامتها ودفعها للفاقة والعوز ودعوة صريحة الى تعميم ومأسسة سياسة الفساد والسرقة وبيع الكرامة وحتى الجسد.
 ورفضنا لذلك القرار ليس نوعاً من "الفنتازيا "أو التحشيش "الفكري" أو "الطوباوية"،بل رفض يستند  إلى أن هذا الاتفاق،هو أيضاً بمثابة إصدار حكم بالإعدام على الطبقة العاملة،ورخصة صريحة للحكومة وأصحاب المال والأعمال لتشريع استغلال الطبقة العاملة وافتراسها وتجويعها وإذلالها،فإذا كان الذين وقعوا على الاتفاق من الأطراف الثلاثة قادرين على العيش بثلاثة أضعاف الحد الأدنى لعائلة متوسطة الأفراد،فنحن أول من يقول نعم لهذا الاتفاق، ولا أخال أنهم يعيشون في عالم آخر او فوق سطح القمر،اللهم إلا إذا كانوا منفصلين عن الواقع كلياً،فبحسبة بسيطة والجميع يعلم بأن خط الفقر حسب دائرة الإحصاء المركزية في الضفة الغربية 1750 شيكل،وهذا أيضا يجافي الحقيقة ولا يوجد له أي سند في ارض الواقع،فالجميع يعرف أن اقتصاد سلطتنا العتيدة يعتمد اعتماد شبه كلي على الاقتصاد الإسرائيلي،فهو اقتصاد خدماتي- استهلاكي- وريعي غير منتج،و80% من السلع يجري استيرادها من دولة الاحتلال أو عبرها،وبالتالي مستوى المعيشة وأسعار السلع في الضفة الغربية وبالتحديد منطقة الوسط (رام الله وبيت لحم ) يقترب إلى حد كبير من مستوى أسعار السلع ومستوى المعيشة في القدس والداخل الفلسطيني،وإذا سلمنا جدلاً بأن الحد الأدنى للأجور في القدس هو 4850 شيكل،وحسب التقارير الإسرائيلية 78 % من سكانها تحت خط الفقر، (4850) شيكل تحت خط الفقر،فكيف ب (1450) شيكل؟؟ أظن أن ذلك تحت خط العوز والفاقة؟؟ولو افترضنا أن أسعار المواد الأساسية من السلع والمنتوجات وكذلك أسعار الخدمات في الضفة الغربية يقل 30% عن أسعارها في القدس والداخل الفلسطيني، رغم المبالغة الكبيرة في ذلك يصبح الحد الأدنى للأجور ( 3900 ) شيكل في الضفة الغربية.
ولكن دلوني على أي عاقل ليس لا رجل اقتصاد ولا محلل نظم ومعلومات ولا بيانات ولا جهبذ عصره،يقنعنا أن العامل في الضفة الغربية سيحيا ويعيش بكرامة أو حتى بربع كرامة،أو حتى يستطيع توفير المقومات الأساسية لحياته في ظل راتب ال (1450) شيكل،فبحسبة بسيطة لو احتاج العامل متوسط العائلة الى (15) شيكل يومياً فقط ليأكل سندويشات فلافل بدون أية توابع،فهو بحاجة الى (450)شيكل،وفواتير كهرباء وماء وهاتف (400 ) شيكل ومصاريف تعليم ومواصلات (600 ) شيكل،فلم يبقى شيئاً من الراتب ،وهو بحاجة الى أن يبقى جوعان وعريان الى يوم الدين،أو يتعلم كل الطرق الملتوية وغير الشريفة في تأمين قوت عياله من تسول وذل ومهانة وحتى رشوة وفساد وسرقة وبيع كرامة وغيرها .
 بإختصار مطلوب من العامل أن يصوم عن المأكل والمشرب والملبس مدى الدهر كرمال عيون الوزير وأرباب العمل ومدعي تمثيل الطبقة العاملة من القادة النقابيين أدامهم الله "ذخراً وسنداً " للطبقة العاملة و"أكثر" الله من أمثالهم.
هذه ليست كما يحلو للبعض أن يسميها بأنها تسوية رضائية لطرف على حساب طرف آخر،بل هي بكل المعاني انحياز سافر لأرباب العمل وأصحاب المصالح الاقتصادية والرأسمال على حساب العمال وحقوقهم.

على كل القوى الشريفة والحية في مجتمعنا من أحزاب وفصائل واتحادات وأطر نقابية ومؤسسات مجتمعية وقادة نقابيين أقحاح،خارجين من رحم الطبقة العاملة،مجبولين ومسكونين بالغيرة والحرص على مصالح العمال والدفاع عن حقوقهم ومنجزاتهم ومكتسباتهم،ان يعلنوا رفضهم المطلق لهذا الاتفاق المذل والمهين والممتهن للعمال حقوقاً وكرامة، فهذا اتفاق اذلال لا يليق بشعب ضحى ونضال من أجل ينعم بالحرية والكرامة والعمل اللائق،وعمالنا ليس مطلوب أن يعتاشوا على التسول من المال المشروط،او يتم رهنهم هم وممتلكاتهم وسياراتهم وحتى نسائهم لدعاة من يسمون أنفسهم ببناة مؤسسات الدولة تحت الاحتلال لمؤسسات النهب الدولية من (بنك وصندوق نقد دوليين)لكي يجري تطويعهم لتحقيق أهداف وأجندات تتعارض مع المصالح العليا والحقوق الوطنية لشعبنا،وكذلك ليعمل عمالنا على عزل ونزع الغطاء والشرعية عن القيادة المرتزقة التي تدعي تمثيلهم من اتحادات نقابية نزلت عليهم ب"البرشوتات" و"الفرمانات"،وقيادة تبيع الطبقة العاملة أو لا تدافع عن حقوقها ومصالحها،فهي لا تستحق شرف لا تمثيل العمال أو قيادتهم،ولا يشرف الطبقة العاملة ان تمثلها وخصوصاً أن تمثليها وقيادتها لها يجري بطريقة الاغتصاب القسري.
أما وزير العمل الموقر ان كان قادراً على العيش هو وعائلته بأربع أضعاف مبلغ الحد الأدنى سنؤدي له التحية وتعظيم سلام .؟؟
وهو يعرف جيداً ان الجماهير العمالية وكل جماهير شعبنا انتفضت مؤخراً ضد موجة الغلاء الفاحشة وارتفاع الأسعار الجنوني،وإذا كانت السلطة غير قادرة على تامين حياة كريمة لشعبها فعليها أن تعلن رحيلها والشعب يتدبر أمره،فهو قبل مجيء هذه السلطة والتي يحلو للبعض أن يصورها لنا على أنها منجز وطني،كان متدبراً أمره بشكل جيد،بل ويعرف الطريق جيداً لكيفية العيش بكرامة وعمل لائق واجر يلبي متطلبات حياته واستمرار بقاءه  ووجوده وصموده.


CONVERSATION

0 comments: