لا مصالحة في الأفق وجولات المصالحة كجولات المفاوضات/ راسم عبيدات


.......لعل هناك من استبشر خيراً في أن المصالحة الفلسطينية باتت قاب قوسين أو أدنى عقب سلسلة اللقاءات الفتحاوية- الحمساوية، وان هذه اللقاءات قد كسرت الجليد بين الطرفين،ولكن واضح من تلك اللقاءات أن المكان أصبح بحاجة إلى اتفاق،فكيف عندما يتعلق الأمر في تفاصيل الملف الأمني،وهو أحد أهم الملفات المعقدة والتي يصعب تحقيق اختراق جدي فيه،ليس فقط بسبب المصالح والأجندات الخاصة،بل هذا الملف تتداخل وتتدخل فيه العديد من المصالح والأجندات والقوى العربية والإقليمية والدولية وفي المقدمة منها إسرائيل وأمريكا،وفي قلب هذا الملف عشرات الأسئلة والاستفسارات والتساؤلات من طراز،من انقلب على الشرعية ومن لم ينقلب عليها،والهيكلة للأجهزة الأمنية هل تقتصر على القطاع ام تشمل الضفة والقطاع؟،وما هو دور وطبيعة هذه الأجهزة ووظيفتها ومهامها ومن يقودها ويشرف عليها ومن هو مسؤولها المباشر،بل وستصل الأمور الى حد كم عنصر لنا في هذا الجهاز أو ذاك،ومن منها يتبع الرئيس ومن يتبع رئيس الوزراء؟،وألف سؤال وسؤال واهم سؤال هنا وهو مربط الفرس أن أمريكا وإسرائيل ستضعان فيتو كبيرة على أي دور لحماس في الأشراف على الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية،وفيتو اكبر على أي حكومة وحدة وطنية لا تلتزم وتعترف بالاتفاقيات السابقة،وأقصى ما يمكن أن يتوصل اليه الطرفان هو الاستمرار في إدارة الأزمة وتشكيل لجنة تنسيق مشتركة بين حكومتي غزة ورام الله والتعايش مع الانقسام،فالورقة المصرية والتوقيع عليها لن يحل المشكلة،فهناك الكثير من الثغرات والتفاصيل في هذا الملف،ولا مصالحة قبل حدوث أي تقدم جدي في المفاوضات أو إغلاق هذا الملف نهائياً.

وحتى لا نخدع أنفسنا وشعبنا فالمصالحة ليست لا بيد فتح ولا حماس،بل تخضع للتدخلات العربية والإقليمية والدولية،وهي قد تصبح حقيقة واقعة إذا ما تم حسم الصراع على الساحة الإقليمية والعربية أو جرى اتفاق على تقاسم وتوزيع الأدوار إقليماً،وطبعاً الحسم أو الاتفاق سيتم سحبه على الساحة الفلسطينية،وهناك أكثر من ملف مرتبط بالملف الفلسطيني،أهمها الملف النووي الإيراني وملف سلاح المقاومة اللبناني ،فإذا ما حسمت هذه الملفات بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية وتعزيز دورهما ونفوذهما في المنطقة،فهذا يعني رفع الفيتو عن المصالحة الفلسطينية لصالح الاستجابة للشروط والاملاءات الأمريكية والإسرائيلية في العملية التفاوضية والتسوية،أما إذا حصل العكس وهزم المشروع الأمريكي في المنطقة،فهذا معناه تعزيز دور قوى المقاومة والممانعة،وبما يعني حصول المصالحة الفلسطينية دون الحاجة للحديث عن الالتزام والاعتراف بالاتفاقيات السابقة،ولكن إذا ما جرى تبريد الصراع إقليماً لجهة تقاسم وتوزيع الأدوار في المنطقة العربية،فربما تنشأ معادلات جديدة في المنطقة.

وأمام هذا الواقع واللوحة فإنه يصعب الحديث عن تحقيق مصالحة فلسطينية حقيقية،وأقصى ما يمكن أن تصل إليه لقاءات فتح وحماس ،هو الوصول إلى اتفاق محاصصة جديد على غرار محاصصة مكة،أو استمرار الحال على ما هو عليه بانتظار نتائج التطورات الإقليمية والدولية،تماماً كما هو حال مارثون المفاوضات العبثية المتواصل منذ اكثر من سبعة عشر عاماً،والذي لا يحصد من خلاله الشعب الفلسطيني سوى المزيد من الضعف والشرذمة والانقسام وتآكل المشروع الوطني وتفكك وانهيار النسيج المجتمعي الفلسطيني،وهذا المارثون واضح أنه لا يحصد سوى المزيد من الفشل فلسطينياً والانتصار إسرائيليا،حيث تستغل إسرائيل هذا المارثون لحسم مصير القدس وإخراجها من دائرة أي تسوية مستقبلية،فحتى قيام رئيس الوزراء الفلسطيني بزيارة إلى قرية فلسطينية مقدسية وخلف جدار الفصل العنصري منعته إسرائيل من القيام بها،وهذا العمل الإسرائيلي له الكثير من المعاني والدلالات،فإسرائيل ماضية في سياساتها وإجراءاتها وممارساتها في الأسرلة والتهويد والتطهير العرقي في مدينة القدس،وبغض النظر عن استمرار المفاوضات أو توقفها،وتصعيد وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية،والجانب الفلسطيني ينشغل في وضع السيناريوهات السبعة البديلة والتي قد تمتد زمنياً لفترة أطول من فترة المفاوضات المارثونية،هذا البدائل التي ليس لها حظوظ من النجاح،فجميعها او الجزء الأكبر منها عدا عن اصطدامها ب"الفيتو" الأمريكي والأوروبي الغربي،فهي لا تمتلك أية آليات تنفيذية تحولها إلى حقائق على أرض الواقع،وهي مجرد هروب الى الأمام وقفز في الهواء،ناهيك عن أنها ستضاف الى سلسلة القرارات التي تمتلئ بها أراشيف وأدراج هيئة الأمم المتحدة لجهة عدم التنفيذ.

لا يجوز لنا كسلطة وأحزاب وفصائل،أن نستمر في اجترار نفس المفردات واللغة عن الانقسام والمصالحة والمفاوضات،ونستمر في كيل الاتهامات والاتهامات المضادة،ولا نتخذ أية خطوات عملية تضع النقاط على الحروف،فغياب الإستراتيجية الموحدة ورفض التعاطي مع أية خيارات أخرى غير خيار المفاوضات،يعني بالملموس تكريس لحالة الانقسام القائمة،وأيضاً أن هناك من هو مستفيد من استمرار هذه الحالة سواء في الحكومة المقالة أو سلطة رام الله،حيث نجد أنه كلما لاحت أية فرصة أو بادرة تسهم في ترطيب الأجواء ودفع الحوار والمصالحة الى الأمام،يخرج من هنا وهناك من يوتر ويصعد الأجواء ويعيد الكرة مجدداً الى المربع الأول،وكل ذلك ليس حرصاً وبكاءً على مصلحة الوطن والشعب،بل خوفاً وحرصاً على دوره ومصالحه الخاصة،فتحقيق المصالحة والانقسام تعني أن هناك من يفقد موقعه كوزير أو عضو لجنة تنفيذية،وهو مستعد في سبيل ذلك ان يستقوي بالخارج من أجل تعطيل المصالحة.

إن الحراك في ملفي المصالحة والمفاوضات رهن بالأساس فلسطينياً في الاتفاق على برنامج سياسي موحد،فغياب البرنامج يعني أن الأمور ستستمر في الدوران في الحلقة المفرغة،مع استمرار الانقسام وتكرسه وتقدم المشروع الإسرائيلي على الأرض،فإسرائيل تستفيد وتستخدم ذلك كذريعة،للقول بغياب الشريك الفلسطيني،كما أن ذلك يعفيها من الضغوط الدولية الجدية المتعلقة بالالتزام وتنفيذ مقررات الشرعية الدولية،وأيضاً قد يندفع هذا الملف المصالحة والمفاوضات إلى الأمام أو الخلف استنادا إلى ما سيحدث من تطورات إقليمية ودولية،وتحديداً في الملف النووي الإيراني والملفين السوري واللبناني،وخصوصاً ونحن نشهد قرعاً لطبول الحرب من قبل إسرائيل،حيث لا يكاد يمر يوم واحد دون سماع تصريحات إسرائيلية،فيها الكثير من التضخيم عن الأسلحة التي تمتلكها المقاومتين الفلسطينية واللبنانية لتبرير شن عدوان عليها.

CONVERSATION

0 comments: