وعد من رحم الخيانة/ ماجد هديب


في الوقـت الذي كــان فـيه الحسـين بن علي يتجاهل مخـاطر اتفاقيـة سايكـس- بيـكو بعد موافقته الرسمية عليها, وفقا لما جاء في مراسلاته مع الانجليز, وفـي ظل موجة السـخط والاحتجاجات التي سادت الأوساط القومية ردا على تلك الاتفاقية لما تحويها من أخطار من جهة واستنكارا لموافقة الهاشميين عليها من جهة ثانية ، فان وعد بلفور قد جاء كنطفة انجليزية جديدة في رحم الخيانة العربية لولادة دولة يهودية .

جاءت موافقة من سمى في حينه قائد الثورة العربية الكبرى_الحسين بن علي _ على هذا الوعد سريعة كما كان مطلوبا منه وفقا لما ذكره المؤرخون على اختلاف أجناسهم, وكانت تلك الموافقة قد جاءت بعد أن تعهد الانجليز ببناء دولة للهاشميين جنبا إلى جنب مع الدولة اليهودية يساعدون بعضهم البعض في الاقتصاد والدفاع .

فإذا كانت إنهاء الخلافة العثمانية بالنسبة للصهاينة هي المقدمات الأولى لإنشاء دولة يهودية , فان اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور هي اللبنات الحقيقية الأولى لبناء الدولتين الهاشمية واليهودية ,ولهذا كانت الثورة المزعومة ضد دولة الخلافة الإسلامية بعد أن البسها الانجليز عباءة العروبة والإسلام ونصبوا الحسين بن علي قائدا عليها بعد أن رسموا له أهدافها .

عزم قادة الحركة العربية في حينه على الاجتماع المباشر بالهاشميين, إلا أنهم أخفقوا في إقناع الحسين بن علي وأبنائه للاحتجاج ضد وعد بلفور, وهذا ما دفعهم للارتياب بسياسة الأشراف كما قالوا في حينه إزاء فلسطين، ونتيجة لمواقف الحسين بن علي وأبنائه ,فان ثقة قادة الحركة به قد ضعفت ولذلك جاء اجتماع قادة تلك الحركة في القاهرة للاعتراض فيه على زعامة الحسين للدولة العربية الموعودة ، إلا إذا أعلن استنكاره للمشاريع الصهيونية ومن ثم تقديم احتجاجه للحلفاء.

أصر الحسين بن على على الترحيب باليهود في البلاد العربية التي حارب العثمانيون فيها وجودهم , بعد أن استطاع استمالة البعض من قادة الحركة العربية إلى جانبه فيما اضعف البعض الآخر, وقد أصر الحسين بن على على إعلان موافقته على وعد بلفور بأن كتب في جريدة القبلة يمدح الهجرة اليهودية ويعلن تشجيعه لها، وهذه هي ثمرة مفاوضاته مع الصهيونيين في مؤتمر السلم الذي أوفد إليه ابنه الأمير فيصل الصديق الحميم للصهيونية قبل أن ينتزع ذلك اللقب شقيقه الأصغر الأمير عبدالله الذي تم إجلاسه على العرش المصنوع له في شرقي الأردن.

لقد كان السير مارك سايكس واثقا بأن موقف الهاشميين سيكون إيجابيا نحو الصهيونية ومطمئنا بمستقبلها في زعامتهم للعرب, حيث كان قد أعلن في اجتماع عقده مع الدكتور وايزمن أثناء مفاوضاته مع الصهيونية في منتصف فبراير 1917 " إن العرب سيقبلون بالاتفاق مع الصهيونيين ما دامت الأسرة الهاشمية تتزعم الحركة العربية وانه يضع أملا كبيرا على الأمير فيصل بالذات".

إن ثقة الانجليز المطلقة بأن هناك تفاهما سيحدث بين من ادعى انتسابه إلى السلالة الهاشمية والصهيونية كانت قد أتت بعد حصولهم على تأكيدات قد صدرت من الهاشميين أنفسهم بهذا الخصوص ، وربما كانت تلك التأكيدات هي نفسها التي دفعتهم للتفاوض مع الصهيونية وصولا لتحقيق أهداف مشتركة بين الأطراف الثلاثة ، فالإنجليز يضمنون بالوجود الصهيوني ما تمنى مؤتمر كامبل تحقيقه, وأوصى بعمله وهو إنهاء دولة الخلافة وزرع ركيزة استعمارية, والهاشميون يؤسسون إمبراطوريتهم العربية التي تطلعوا إليها بعد أن أوهمهم الإنجليز بان الأموال اليهودية ستكون تحت تصرفهم في بنائها لوجود قواسم مشتركة فيما بينهما, وتستطيع الصهيونية من خلال ذلك أيضا تنفيذ أحلامها التي تبددت بالرفض العثماني لتحقيقها ، وهذا ما يفسر أسباب تبني وزير خارجية بريطانيا في حينه لشعار كان قد أعلنه حيث قال " إن هناك مكانا للقومية العربية والصهيونية معا في فلسطين " ، وهذا ما دفع سايكس نفسه إلى أن يصمم علم ثورة الهاشميين المزعومة مثلث الألوان.

كان من الطبيعي بعد استطاع سايكس تجزئه الوطن العربي ومساهمته في إصدار وعد بلفور, وتأمين الموافقة الهاشمية عليهما واعترافه بهما ,ومن خلال إشرافه على أعمال ثورة الهاشميين وتقدمها أن يعزز العلاقات الهاشمية الصهيونية تحقيقا لما آمن به وأعلن عنه في شعاره وصولا للدولتين الهاشمية واليهودية, وهذا ما تحقق بعد أن خرج الوعد للتنفيذ من رحم الخيانة العربية, وإذا ما كان الجد قد تقدم برحمه على طبق من ذهب للانجليز في حينه ليحمل نطفة الوليد اليهودي فان الحفيد اليوم يتسابق لتقديم أرحام أبنائه لإنجاب من يحمي دولة اليهود فهل تبقى الخيانة مستمرة وهل هناك وعود وعهود أخرى سيعترف بها العرب بعد أن ازدادت الأرحام العربية المقدمة والمعروضة بثمن بخس كما الرحم الذي حمل وعد بلفور؟ .

CONVERSATION

0 comments: