نعم هناك تراتبية اجتماعية مقلوبة في القدس/ راسم عبيدات


......أشار الكاتب والأديب المبدع محمود شقير في كتابة الأخير " قالت لنا القدس" والذي هو عبارة عن نصوص يومية ...وشهادات الى تسييد وطغيان للتراتبية الاجتماعية المقلوبة في القدس والقائمة على صعود نجم القيادات والوجاهات العشائرية والحمائلية المستمدة لنفوذها وقوتها من قوة عشائرها وحمائلها العددية وكذلك ما تتمتع به من نفوذ اقتصادي ومالي،فبعدما كانت القيادات والكفاءات المهنية من أطباء ومهندسين ومحامين وصحفيين وكتاب تحتل موقعاً متقدما في السلم الاجتماعي المقدسي،وكذلك قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف ألوان طيفها السياسي والتي كانت الآمر الناهي في كل ما يخص الشأن المقدسي في الانتفاضة الأولى – انتفاضة الحجر-، وما أعقب تلك الانتفاضة واجهاضها وغياب الحواضن العربية والدولية وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي سابقاً واحتلال العراق.

هذه العوامل الذاتية والموضوعية شكلت محطات هامة نحو هزيمة قاصمة للثورة الفلسطينية وحركة التحرر العربي ومعسكر المقاومة،وما نتج عن ذلك من اتفاق أوسلو،وما تمخض عنه من آثار وتداعيات جداً خطيرة على الشعب والمشروع الوطني الفلسطيني،ما زال يدفع ثمنها انقساماً مجتمعياً وسياسياً وتقسيماً للأرض والجغرافيا،وهذا بدوره عزز من سلطة العشائر والقبائل والمليشيات التي وجدت لها حواضن من وفي قمة الهرم السياسي والأمني الفلسطيني،ناهيك عن أن الاحتلال المباشر في القدس بكل تمظهراته وأشكاله وقمعه المستمر والمتواصل للحركة السياسية والوطنية الفلسطينية ساهم في تراجع وإضعاف دورها وتأثيرها،ناهيك عن أن السلطة الفلسطينية لم تعطي الدعم والإسناد الكافيين للحركة الوطنية،بل هناك من سعى فلسطينياً الى إضعاف دورها وتأثيرها وفعلها مقدسياً خدمة لأجندات وأهداف خاصة وشخصية،وهذا شكل ظرفاً وفرصة للقيادات العشائرية والقبلية والجهوية لكي تملاً هذا الفراغ،ولكي يصبح لها دوراً هاماً في التقرير وقيادة الشأن المقدسي وفق رؤيتها وتصوراتها في أكثر من جانب ومجال،وخاصة في القضايا المتعلقة في الصراعات والخلافات الاجتماعية،بل وضعف المبنى الوطني دفع بهذه القيادات العشائرية والجهوية لكي تطرح نفسها بديلاً للحركة الوطنية،وحتى التطاول والتندر على قياداتها،وقد وجدنا ولمسنا ذلك عندما تم الإعلان عن إجراء الانتخابات المحلية في تموز/2010 والتي تأجلت أو ألغيت،ولعل تلك التجربة أظهرت أن هناك العديد من المرشحين تمردوا على تنظيماتهم ولجأوا إلى عشائرهم وحمائلهم لخوض الانتخابات والترشح باسمها،وكذلك فإن العديد من الحلول الوطنية للمشاكل والخلافات الاجتماعية،لم يجري احترامها والالتزام بها من قادة العشائر والحمائل،لشعورهم أن لهم سطوة وقوة أكثر من الحركة الوطنية،وأن الحركة الوطنية في القدس،هي بلا أنياب فهي مطاردة وملاحقة من قبل الاحتلال،وأيضاً السلطة الفلسطينية غير معنية بحركة وطنية في القدس تشكل نداً لها أو تقفز عن قراراتها ودورها في القدس،وهذا الفهم القاصر والمخطؤ قاد إلى ضعف السلطة والحركة الوطنية على حد سواء ،وعزز من سلطة وسيادة الاحتلال على المدينة المقدسة،والذي سعى الى خلق أجسام مرتبطة به ،تناط بها مهمة التدخل وفرض حلول في القضايا والخلافات الاجتماعية المقدسية.

إن هذه التراتبية الاجتماعية المقلوبة،والتي تظهر بشكل بارز في القدس بخلاف الضفة والقطاع وحتى الداخل الفلسطيني، واضح أنها في ظل الوضع الفلسطيني الحالي المنقسم على ذاته ،وفي ظل غياب العناوين والمرجعيات المقدسية الموحدة،فإن هذا الوضع مرشح للتفاقم وحتى المزيد من السطوة العشائرية والقبلية على حساب المرجعيات والعناوين الوطنية،والمؤسف والمعيب أن العديد من أطراف الحركة الوطنية وحتى داخل الفصيل الواحد من يستقوي بهذه القيادات العشائرية والقبلية على حساب الحركة الوطنية،وبما يعطي هذه القيادات العشائرية المزيد من القوة .

وهذه التراتبية الاجتماعية المقلوبة والمدمرة من شأن استمرارها وتكرسها وتجذرها،أن يشكل ليس خطراً فقط على وحدة ولحمة النسيج الاجتماعي المقدسي،بل من شأن ذلك هتك وتدمير الثقافة والقيم الوطنية،لصالح ولاءات عشائرية وقبلية وجهوية ضيقة،وأنت تتلمس البعد العشائري والقبلي في أكثر من مجال،ففي الوقت الذي كان فيه نجم الثورة والحركة الوطنية يصعد ويسطع أيام النهوض والمد الثوري،كنت ترى وتلمس أنها تشكل حاضنة حقيقية للأطر الجماهيرية من شباب ومرأة وطلاب وغيرها،حيث كانت الكتل الطلابية والأطر الجماهيرية،هي من تقدم التهاني لأنصارها وأصدقائها بالنجاح في امتحان الثانوية العامة أو التخرج من الجامعة أو الفوز في انتخابات طلابية وغيرها،ولكنك اليوم نادراً ما تجد ذلك،بل يغلب على تلك التهاني الطابع العشائري والقبلي والجهوي....الخ.

إن استعادة الحركة الوطنية لدورها وحضورها وفعلها وهيبتها،هو وحده الكفيل بتصحيح هذه التراتبية الاجتماعية المقلوبة في القدس،وهذا لن يكون ممكناً بدون مرجعية وطنية وإسلامية ومجتمعية موحدة تقود وتنظم وتوجه كل الفعل والعمل الجماهيري والشعبي المقدسي،تبني وتؤطر على أساس وطني وقومي عروبي،وتتصدى لثقافة الدروشة والشعوذة والأساطير ودعاة نهج الانغلاق والتكفير والتخوين وأصحاب امتلاك الحقيقة المطلقة،تبني مجتمع يقوم على احترام قيم التعددية والديمقراطية والتسامح وحرية الرأي والتعبير والمواطنة.

صحيح أن الحركة الوطنية الفلسطينية تتعرض لحرب شاملة من قبل حكومة الاحتلال،والتي تحاول بكل الطرق اقتلاع الحركة الوطنية في القدس من جذورها،لكي يسهل عليها السيطرة على المدينة المقدسة والفتك بنسيجها الاجتماعي تخريباً وتدميرا،ولكن ما هو أصح من ذلك أن الحركة الوطنية رغم كل ذلك يقع عليها مهام ومسؤوليات تجاه المجتمع المقدسي،وبالقدر التي تثبت فيه حضورها وفعلها فهي قادرة أن تشكل العنوان والمرجعية للمجتمع المقدسي،وتكون الناظمة لحركة كل الأطر واللجان الوظيفية الأخرى من قيادات عشائرية إلى مؤسسات مجتمع مدني بمختلف أشكالها وتسمياتها،وهي إذا ما رتبت بيتها الداخلي ووحدت وكاملت جهدها والفعل ما بين الرسمي والشعبي قادرة على خلق حالة نهوض شعبية تحد من التراتبية الاجتماعية المقلوبة على نحو كبير،فهذه التراتبية المقلوبة القائمة تستفيد من حالة الانقسام الداخلي القائمة،وكذلك من تعدد العناوين والمرجعيات للمدينة المقدسية،والتي في العديد من الأحيان يستقوي القائمين عليها خدمة لأهدافهم ومصالحهم الخاصة بهذه القيادات والمرجعيات في وجه من ينافسهم أو يزاحمهم على القيادة من العناوين والمرجعيات الأخرى.

ونتيجة هذا الإستقواء والنهج الخاطئ تكريس للتراتبية الاجتماعية المقلوبة ومزيداً من الشرذمة والتهتك في النسيج المجتمعي المقدسي وتسييد أكثر لسلطة العشائر والقبائل.


CONVERSATION

0 comments: