المرأة البدوية تصرخ آملة في التغيير بعد ثورة25 يناير/ يسرية سلامة


المجتمع البدوي له عاداته وتقاليده والتي تميزه عن غيره وتجعل له طابع خاص، لكنه عالم ملئ بالأسرار، فهو ينطوي على ممارسات تحمل قهر وظلم وتمييز ضد المرأة البدوية، والتي لا تقل عن مثيلاتها في الريف والحضر لدرجة تشعرها أنها شئ يُباع ويُشترى، وليست كيان ذو شأن يتمتع بالحرية حتى في أبسط وأهم القرارات المصيرية. في حين ينظر البدوي لأبناء جنسه على أنهم من فئة سامية مميزة وأنهم الأفضل، فيرفضون رفض تام مصاهرة غير البدو من أبناء الحضر أوالمدن إلا في أضيق الحدود إذا اضطرتهم الظروف لذلك.. علاوة على أنه إذا تقدم أي عريس لخطبة البدوية وهي موافقة وأراد إبن عمها أن يتزوجها فهي له، تطبيقًا للمثل القائل " إبن عمها يمضغها ما يبلعهاش " بمعنى أنها لا تهم الغريب. وكذلك المثل القائل " ابن العم بينزل بنت عمه العروس عن الفرس " تأكيدا على أحقيته بالزواج منها .
من هذا المنطلق..فلابن العم مطلق الحرية في أن يتزوج إبنة عمه أو يتزوج من خارج البدو، لكن الفتاة البدوية لا تتمتع بهذا الحق وليس لها حرية الإختيار وكأنها سلعة أو قطعة أرض.
ومن خلال لقائي بالعديد من نساء وفتيات البدو لمست ما يفرضه الموروث الثقافي وأيدلوجية المجتمع القبلي للبدو من قيود وتحكم مناهضة للحقوق الآدمية ومغالطات لاتستطيع أن تصدقها ويقع بعضها تحت طائلة القانون.
بكفاية: كفاية ظلم
لنبدأ بقصة (بكفاية) قصة من الممكن أن تنشر تحت عنوان (صدق أو لا تصدق) روت لي قائلة: أنا إمرأة لا أعرف عمري الحقيقي لكن تقريباً قد يكون تسع وعشرون عاماً، أول مشكلة تؤرقني هي إسمي وهو إسم شائع بين البدو فهو يعني (الإستكفاء من إنجاب الفتيات)، وهذا الإسم هو أول دليل على عدم رغبتهم في وجودي ولا من هن من نوعي فلا يريدون المزيد، وبعيدًا عن معناه فأنا أراهم لم يحسنوا إختيار إسمي الذي سيلازمني طيلة حياتي، وطالما سمعته أو قرأته في أوراقي الرسمية انتابني شعور شديد بالحنق والضيق.
حينما كنت طفلة إلتحقت بالمدرسة الإبتدائية وكنت متفوقة في الدراسة وأحب التعليم إلى أن تمت خطبتي وأنا طفلة في الصف الخامس الإبتدائي، فكان خطيبي يحضر إلي بيتنا يجلس مع عائلتي (والدي وإخوتي) وأنا ألعب على الأرجوحة ولا أعرف شئ، ثم اتخذ والدي قرار بتركي المدرسة حتى اكتمال أنوثتي كي أصلح للزواج الذي تم وأنا عمرى 14سنة، ويعقد الزواج عندنا كبدو بما يسمى (عقد براني) هو ما يعادل العقد العرفي في المدينة، وأنا إلى هذا الحين لا توجد لي أي أوراق ثبوتية، لاشهادة ميلاد ولا أي شئ يثبت وجودي في الحياة، ثم حدث أن أنجبت بعد مرور سنة من الزواج مولودي الأول الذي ضاع من عمره عام كامل ، لأننا إضطررنا إلى إستخراج الأوراق كلها من البداية (شهادة ميلاد وبطاقة شخصية)، ثم عقد قران رسمي لكنه بتاريخ لاحق ثم إستخراج شهادة ميلاد لإبننا بعد تاريخ قسيمة الزواج الرسمي بسنة، وهو تزوير في أوراق رسمية وتزييف للواقع وإهدار لسنة من عمر إبني، الذي حرمت من اختيار إسمه كما حرمت من إختيار أي شئ في حياتي، وقام زوجي بتسميته (شليته)، وأنجبت بعده ثلاثة بنات، ويتوعّد زوجي أن يزّوج ابنتي الكبرى من أول عريس يتقدم لها وسيجبرها على ترك الدراسة لأنها جميلة جداً، وأنا أتحداه وأقول له حياتي معك مقابل تعليم أولادي.
حينما بلغت سن السادسة والعشرون شعرت أن عمري اتسرق مني، فقررت التمرد على أوضاعي، وطلبت من زوجي إكمال تعليمي الذي حُرمت منه في صغري بسبب زواجي منه، لكنه رفض رفض تام متحججًا بالعادات والتقاليد، سيقول الجيران عني وين رايحة وجاية وأنا زوجة على ذمته؟
تستطرد بكفاية قائلة " شئ طبيعي جدًا أن تضرب المرأة البدوية فهو الإسلوب المعتاد للتعامل معها، علاوة على إجبارها على إرتداءها للنقاب كعادة وليس عبادة. لكني صممت على طلبي بالتعليم لدرجة أنني طلبت الطلاق وذهبت لبيت أهلي، الذين قالوا لي بأنني إذا أردت الإنفصال لابد من الزواج من آخر حتى يقوم بالإنفاق علي، وكتحد مني تعلمت الخياطة في فترة وجيزة جدًا كي أفوت عليهم أي فرصة في تعطيلي عن تحقيق هدفي، وبالفعل التحقت بفصول محو الأمية وحصلت على الشهادة الإبتدائية، وصالحني زوجي وتم الإتفاق على أنه سيسمح لي بتكملة الدراسة، أنا الآن بالصف الأول الإعدادي وطموحي أن أنهي الدراسة وألتحق بكلية الصيدلة، لكنني أتعجب من معاملتنا في النظام الدراسي كالأطفال الصغار، فلماذا نمكث سنة كاملة ونجتاز فيها سنة دراسية دون مراعاة لما ضاع من عمرنا ؟ فاقترح أن تكون كل ستة أشهر سنة لأن تعليم الكبار يحتاجون فيه إلى الإسراع والتعلم المتواصل لإدراك ما فاتنا، أو يوجد خيار بين النظامين ويكونا متاحين لمن هو متعجل ويستطيع الإنجاز.

وعن طموحاتهن بعد الثورة تقول بكفاية: أن يتغير كل شئ وأوله نتمنى رئيس عادل ويكون التعليم من أولوياته، والإهتمام بالمجتمع البدوي_ المهمش_ بشكل عام والمرأة البدوية بشكل خاص التي تجبر على ترك تعليمها وتتزوج وهي في سن الطفولة.

أما" سديناه" فحينما عادت من دراستها وهي في الصف السادس من المرحلة الإبتدائية وجدت الذبائح والموائد وزينة فرحها تعلق على البيت وفي الشارع.. دون حتى إخبارها بأنها العروس في ليلة عرسها بل عوملت وكأنها شئ ليس له حق الرأي.وفي واقع الأمر ما هي إلا طفلة صغيرة لن تستطيع إستيعاب ما يحدث.

تزوير في أوراق رسمية
تقول "فرحانة" لم أعرف باب المدرسة أساسًا ولا عمري دخلتها وليس لدي أوراق لا شهادة ميلاد ولا بطاقة ولا أعرف عمري الحقيقي، تزوجت عرفي في سن الخامسة عشر من عمري تقريباً، ثم أنجبت ابنتي الكبرى التي ظلت ثلاث سنوات بلا شهادة ميلاد بعدها عقد زوجي على زواج رسمي ثم ذهب وجاء لي بشهادتين ميلاد لي ولإبنتي وبطاقة شخصية ولا أعرف كيف استخرجهم وكل البيانات المدونة بهم غير صحيحة ولا تعبر عن الحقيقة.
إلى أن حدث يومًا ظرف أضطررت فيه الذهاب لأسحب مبلغ من البوسطى، فكان لزامًا علي أن أوقع فلم أستطع كتابة إسمي أو أختم لأنه ليس لدي ختم، بعدها طلبت من زوجي أن أتعلم رفض ذهابي لفصول محو الأمية وأنا لا استطيع مخالفة أوامره، وابنتي مستورة لم تذهب أيضًا للمدرسة والآن عمرها 19 سنة، وستتزوج بعد أيام وتعتبر في عرف قبيلتنا كبرت في السن دون زواج.

البدوية العنيدة
صابره هي فتاة بدوية عنيدة بلغت من العمر 31 سنة تروي لي قصتها: حصلت على الشهادة الإبتدائية وأنا عمري 11 سنة بتفوق حينها قرر جدي رحمة الله عليه أن لا أكمل تعليمي وأظل في البيت إلى أن أتزوج كمثيلاتي، وقتها أضربت عن الطعام والمياه لأجبرهم على عودتي إلى المدرسة، لكني ظللت سنة كاملة وتخلفت عن زميلاتي مع تأثر والدي بحالتي النفسية وبكائي المتواصل، وبالفعل انفصل والدي عن بيت العائلة لنسكن وحدنا في بيت آخر، بعدها سمح لي والدي باستكمال تعليمي في المرحلة الإعدادية وكانت بمثابة الحرب العائلية الأولى، حيث دخلت في "التيرم" الثاني في الصف الأول الإعدادي علاوة على سنة التأخير، لكني واصلت دراستي للمرحلة الثانوية وحصلت على مجموع يؤهلني للإلتحاق بكلية التجارة ، وخشى الدي من كلام الناس بسبب ذهابي للجامعة، علاوة على رفض إخوتي الشباب الذين كبروا وأصبحوا رجال وأصحاب قرار..وبالفعل تمت خطبتي على إبن الجيران دون مشورتي، والذي لا أعرفه حق المعرفة..قمت بتكرار تجربة الإضراب عن الطعام لكن المدة طالت إلى 15 يومً وأصابني إعياء شديد، فكرت في أن أفعل شئ غير تقليدي كي أكسر حاجز التقاليد البالية التي ستقضي على مستقبلي الذي طالما حلمت به وخططت له، فقابلت خطيبي وهو يترجل بالصدفة في الشارع فقلت له أنني أريد فسخ الخطبة منه ليس لعيب فيه بل لأنني أريد تكملة مشواري التعليمي، فحزن جدًا لكنه خشي التقاليد، فإذا جاء إلى بيتنا ليفسخ خطبتي من جانبه سيعتبر عيب شديد في حق عائلتنا فهو يهاب والدي وأشقائي فحضر وروى لإخوتي ما بدر مني وما قلته له..وكانت الحرب العائلية الثانية حيث قام أخي بضربي "علقة ساخنة" بيد المكنسة التي كسرها على عظامي، ثم أحضر يد مكنسة أخرى ليستكمل الضرب المتواصل الذي ما زالت أثاره على جسدي رغم مرور عدة سنين .
وبرغم مكوثي في بيتنا لمدة أربع سنوات إلا أنني صممت وحاولت الإلتحاق بالكلية وبالفعل ذهبت بالتماس للدكتور محمد عبد اللاه (رئيس جامعة الإسكندرية في ذلك الحين)، شرحت من خلاله ظروفي، وطلبت الإلتحاق بكلية الحقوق فوافق على طلبي، وبالفعل حصلت على ليسانس الحقوق بتقدير جيد وواصلت إلى أن حصلت على ماجستير في القانون العام، لكن ذاع صيتي بين البدو أنني صاحبة رأي ومتمردة وهو ما يعتبروه وصمة عار في أعراف البدو، فأصبحت فتاه غير مرغوب فيها للزواج.
وأضافت صابرة " والآن وقد بلغت من العمر 31 سنة وأصبحت في عرفنا عانس، الأمر الذي لا يهمني كثيراً لكن ما يهمني هو حصولي على فرصتي في الحياة، حيث تقدمت للعمل بالنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة ولم يقبلوا تعييني، فأصبحت في نظر قبيلتنا (كالتي رقصت على السلم لا طولت وظيفة بتعليمي ولا طلت جواز) يقول لي الجميع ماذا استفدتي من نضالك من أجل التعليم؟"
وبإرادة التحدي تقول صابرة "أطمح في الإهتمام بحقوق المرأة البدوية بعد ثورة 25 يناير، وتعميم نظام الفصل الواحد في القرى والنجوع وهو أمر غير مكلف مثل إنشاء المدارس لأن المجتمع البدوي يعزف عن تكملة التعليم بسبب بُعد المدارس في مناطق غير مأهولة بالسكان مما يجعلهم يخشون على فتياتهم من الذهاب والإياب للمدارس، وأتمنى أن تنتهي العصبية القبلية، ونظرة الإستعلاء من أبناء المدن لفكرتهم عن المرأة البدوية، وأن يتم تعويضها عن ما تتذوقه من عذاب كي تواصل مشوارها التعليمي بتوفير فرص مناسبة لها للعمل كي تكون مثال وقدوة لغيرها من فتيات البدو اللاتي تستسلم بعضهن ويرتضين بالأمر الواقع، وأخريات بعضهن يطلقن على انفسهن إسم "عاشقات التعليم".

CONVERSATION

0 comments: