بعد الاصلاحات.. بدأت "العملية الجراحية" لإنقاذ سوريا/ جوزيف أبو فاضل

بعدما أعلن الرئيس السوري بشار الأسد إلغاء حالة الطوارئ، وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا، وإقرار وتنظيم حق التظاهر، وبدء البحث في قانون الأحزاب والانتخابات الحرة... بدأت سوريا فعلياً السير في طريق الاصلاحات الجدّية والفعليّة، وهذا ما قابلته أكثرية الشعب السوري بالتأييد والترحاب.

لكنّ المفاجأة الكبرى، وفي اليوم التالي للاعلان عن هذه الاصلاحات، خرجت فئات في العديد من المدن والمناطق السورية تطالب بـ"إسقاط النظام" مستخدمة السلاح لاحداث المزيد من القتلى والفوضى!؟!

وكان هذا الأمر هو أسطع ما انكشف عن خلفيات ودوافع بعض هؤلاء المتظاهرين وهم قلة قياساً إلى الشرائح المؤيدة للرئيس الأسد.

شعار حق يراد به باطل

فالاصلاح على ما يبدو ليس هدفهم والمطالبة من قبل هؤلاء بتحسين أحوال الشعب السوري الاقتصادية والاجتماعية ليس إلا شعار حق يراد به باطل.

فالمطلوب شيء واحد هو تصفية حساب قديم مع النظام السوري عمره أكثر من أربعين عاماً، ويهدف في المرحلة الأولى إلى إقلاق وإرباك النظام السوري وصولاً إلى تغييره وتبديله إذا تمكنوا من ذلك.

أما في حال فشلهم فالمطلوب إدخال سوريا في نفق حرب أهلية طويلة ومظلمة قد تذكر السوريين بحروب لبنان الداخلية وكذلك الحرب التي لا تزال دائرة في العراق وفي المشهد الأخير، حرب ليبيا.

القيادة فضّلت أن تترك الشارع

فقد كان بإمكان القيادة السورية أن تدفع بالمؤيدين والمناصرين إلى التظاهر والاعتصام ترحيبا وتأييدا للاصلاحات التي اقرت وبالتالي إظهار حجم التأييد الشعبي الذي يحظى به النظام.

لكنه كان بذلك سيجازف بادخال البلاد في أتون الحرب الداخلية التي هي أحد الخيارات الأساسية لأعداء النظام السوري. وبالتالي، كان سيستنسخ المشهد اليمني بين متظاهرين مؤيدين للرئيس اليمني علي عبدالله صالح وبين معارضين له.

لكن القيادة السورية فضّلت أن تترك الشارع بعد تلبية مطالب الاصلاح لأعداء النظام الذين لا يريدون إصلاحاً، والكشف عن حقيقتهم، وصولاً إلى تحقيق الانقسام والفرز بين الشعب السوري ليس على أساس من هم مع الاصلاح والنظام ومن هم ضدّه، بل على أساس من هم مع أمن واستقرار سوريا، ومن هم مع خرابها ودمارها تحقيقاً لمخططات خارجية تتوفّر الكثير من الأدلة عليها، ولكن لم يحن أوان كشفها كلها...!

بدأت مرحلة الجدّ والحسم

إزاء هذا الوضع، ما هي الخيارات أمام القيادة السورية لمواجهة إرادة التخريب المدعومة خارجياً؟

فترك الأمور كما كان الوضع في السابق وإخلاء الساحة للمخربين لا يبدو أنه خيار دائم بل هو خيار تكتيكي انتهى مفعوله بانتهاء يوم الجمعة العظيمة بكل تداعياته ونتائجه.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة من التعاطي الحاسم والجاد.. فمن يريد التظاهر والاحتجاج عليه أن يتبع الأصول المعتمدة في كل دول العالم كفرنسا وأميركا، فيحدد في طلب الترخيص للمظاهرة الزمان والمكان وعدد المتظاهرين المقدّر والشعارات التي سترفع ومن يتحمّل مسؤولية ما قد يسببه المتظاهرون في الممتلكات العامة والخاصة.

مخططات خارجية تريد شراً بسوريا

أما من يريد استعمال السلاح والتخريب وترويع الآمنين وإحراق المؤسسات العامة والخاصة فسيكون الرد عليه بمثل السلاح الذي يستخدمه بغية إيقافه ومنعه من تنفيذ المخططات الخارجية التي تريد شراً بسوريا والتي تتوفّر العديد من الأدلة الدامغة عليها، ونورد بعضاً منها:

1- الشاحنات التي تهرب الأسلحة من العراق من خلال تواطؤ بعض المسؤولين في المراكز السورية الحدودية هو أمر ثابت.

2- تهريب الأسلحة في لبنان عبر الحدود والمعابر غير الشرعية سواء في عكار أو البقاع أيضاً أمر ثابت.

جمال الجراح ليس سوى أحد الأسماء

3- تحريض العديد من السوريين المقيمين في لبنان على الذهاب إلى سوريا والتظاهر ضد النظام أيضاً حقيقة مؤكدة، وستكشف عنها سوريا لاحقا وتظهر أسماء المتورطين اللبنانيين، واسم جمال الجراح ليس سوى أحد الأسماء وربما الصغيرة، وقد كان لافتاً ومؤشراً مهماً على حجم التورط الخارجي، الاستقبال المميّز الذي حظي به جمال الجراح من قبل الرئيس سعد الحريري بعد كشف السوريين عن تورطه في دعم مجموعات إرهابية سورية، فخصه بمشهد تلفزيوني مميز وحميم حيث يمشيان معاً في حديقة "بيت الوسط" وهو امتياز لم يحصل عليه أحد من وزراء أو نواب تيار المستقبل.

 
هل يريد جعجع أن يصبح مواطناً ذمياً؟

4- الدعوات إلى التظاهر "لنصرة أهل الشام" التي دعا إليها حزب التحرير – ولاية لبنان، وهو الحزب الذي كان محظوراً إلى أن رخص له وزير الداخلية بالوكالة أحمد فتفت في 11 أيار 2006، فهذا الحزب الذي يدّعي العمل على إعادة الخلافة الاسلامية التي سقطت بعد الحرب العالمية الأولى والتي كانت ممثلة بالسلطنة العثمانية، توجد الكثير من علامات الاستفهام حوله وحول مؤسسه الشيخ النبهاني وعلاقاته مع الحكومة الانجليزية حينها؟!
وكان الخطأ الكبير في سعي بعض المسؤولين في لبنان إلى إلغاء مظاهرة حزب التحرير – ولاية لبنان، فأعطيت لهذا الحزب أهمية لم يحصل عليها في ماضيه وفي أية دولة في العالم، فكان من المفروض أن تبقى التظاهرة كما هي، كي تكشف من يقف حقيقة وراء دعوة حزب التحرير إلى التظاهر، وأن يستمرّ ما يخطط له الحزب من مظاهرات ورفع للشعارات الحزبية، لنسأل رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ما هو موقفه من إعلان الخلافة الاسلامية؟ وهل يريد أن يصبح مواطناً ذمياً في هذه الخلافة؟ وإذا كانت ظروف جعجع لم تسمح له في السابق أن يضغط على حلفائه في تيار المستقبل لسحب ترخيص حزب التحرير، فلماذا لا يفعل ذلك اليوم؟

النوايا الأميركية المبيّتة تجاه سوريا

5- الحملة الاعلامية المنسّقة والمنظّمة والتي تتولاها بعض الفضائيات اللبنانية والعربية والتي تروّج لأخبار ومزاعم غير موجودة في سوريا، وقمة الفضيحة كانت ما كشفته وثائق "ويكيليكس" عن تمويل المخابرات الأميركية لقناة "بردى" السورية التي تروج ليلا نهارا لاسقاط النظام.

6- المواقف التي تعلنها الادارة الأميركية والتي تكشف ما تبيّته هذه الادارة من نوايا تجاه سوريا، فوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون "قلقة على حمص" وهي لا تكاد تعرف أن تلفظ اسمها، وبالتالي بدت قلقة على حمص وخائفة على أبنائها أكثر من وزير الخارجية السوري وليد المعلم؟!
.. ولكن الكلام الخطير الذي أفصح عنه الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما باتهامه النظام السوري بالسعي للحصول على دعم إيران لقمع المتظاهرين، وسبق ذلك ترويج أخبار أن عناصر من حزب الله في لبنان تشارك قوات الأمن السورية في قمع المتظاهرين. إنّ هذا النوع من الكلام قد يؤسس لموقف أميركي خطير تجاه سوريا، لأن القرار الذي اتخذته القيادة السورية بالسماح بحرية التظاهر وإقرار الاصلاحات والانفتاح مقابل التشدّد مع الارهابيين والمخربين يعني سقوط المزيد من القتلى والضحايا والشهداء سواء بين أفراد القوات المسلحة أو الجيش أو من المخربين أنفسهم، وبالتالي ستعتبر الادارة الأميركية أن التحالف بين إيران وسوريا وحزب الله يرتكب مجازر بحق الشعب السوري ويجب فرض عقوبات دولية على هذا التحالف، مع الاشارة إلى أنّ بعض هذه العقوبات موجودة أصلا ضدّ الأطراف الثلاثة.

لكن في هذه المرة ستكون بعض الدول العربية شريكة في هذه العقوبات انتقاماً من إيران، فليس من قبيل الصدفة أن ترتفع الآن نبرة الدول الخليجية تجاه إيران على خلفية الوضع في البحرين، والذي لم تتدخل إيران به فعلياً إلا من خلال مواقف تنسجم مع المواقف التي تطلقها في الدفاع عن حقوق الشعوب كما هي الحال في تونس ومصر واليمن...

إنّ هذا الموقف الأميركي في حال اتخاذه لن يكون إلا ورقة ابتزاز جديدة ضد سوريا وإيران وحزب الله، بعدما كاد نشر الغسيل الوسخ لـ"المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" يفقدها ما تبقى لديها من مصداقية.

النظام اتخذ قراره بوضع حد لحرب الاستنزاف

لكن سوريا وضمن المعطيات القائمة حاليا تملك الكثير من الوسائل لمواجهة الحالة الارهابية المدعومة خارجياً وإن يكن تفرغها لمواجهة هذا التحدي في عقر دارها ما يبعدها عن الاهتمام بقضايا المنطقة مرحلياً لا سيما لبنان وفلسطين والعراق.. وهذا هو أقصى ما يمكن أن ينالوه اليوم من سوريا.

وأمام هذا الخطر الذي يواجه سوريا شعباً ودولة، من الواضح أنّ النظام الذي قدم الاصلاحات المطلوبة وأبدى قدراً عالياً من رحابة الصدر منذ بداية الأزمة، اتخذ قراره المرير بوضع حد لحرب الاستنزاف التي أريد استدراجه إليها، وذلك من خلال عملية جراحية واسعة وسريعة قدر المستطاع لاستئصال الخلايا الارهابية المستيقظة والنائمة وهي عملية قد تكون موجعة ولكنها ملزمة.

CONVERSATION

0 comments: