غزة: جدلية الخوف والجرأة/ عطا مناع

قلوب وعقول تكتسي بالبرد واللامبالاة تجاه الجرائم التي ترتكبها دولة الاحتلال الإسرائيلي بحق أطفالنا وشرائح شعبنا المختلفة في قطاع غزة المحاصر، المشهد غريب عجيب فمقابل الجحيم وكتل النار التي تلتهم الأجساد تأتي المواقف باردة وكأننا بصدد حكاية خرافية لا صلة لها بالواقع الفلسطيني والعربي، وتكمن الغرابة في حالة الاجترار نجاه الجرائم التي تحصد المئات من الضحايا ما بين شهيد وجريح، لدرجة ان المراقب يتوقع ردود الفعل التي لا تتجاوز المسيرة في أحسن تقدير، وحتى نكون منصفين مع العرب العاربة تمخضوا فأراً بمطالبتهم مجلس الأمن بفرض حصار جوي على سماء غزة لحمايتها من القصف الإسرائيلي اسوة بموقفهم من ليبيا.
في غزة مقاومة متواضعة بإمكانياتها رغم محاولة تضخيمها من دولة الاحتلال، فموازين القوى غير متكافئة، خاصة أننا بصدد قوة نووية تمتلك كل الإمكانات والدعم العسكري والسياسي الغربي اللامحدود، ولذلك لا يمكن الحديث إلا عن الصمود وعامل الجرأة الذي يميز عناصر المقاومة ويفرض نفسه بقوة على المشهد ألغزي الذي فرض نفسه على أعداء القضية الفلسطينية رغم حالة التشظي التي نعيشها كفلسطينيين جراء الانقسام الذي ندفع ثمنه دماً.
قدر المقاوم وخيارة أن يكون في مقدمة الصفوف، لكن المشهد لا يكتمل بالمقاومة المسلحة على اعتبار أن المقاومة بحاجة لسياج واحتضان من الجماهير وهنا تكمن المفارقة المؤلمة التي تحكي حال الناس التواقين للخروج من المأزق والتناقض الذي يلف المشهد الذي حول شعبنا إلى ضحايا تساق إلى المذبح مجانا، وهذا يدفعني للتساؤل عن موقع الشعب من المعادلة التي تقرض نفسها علينا كشعب وتطرح السؤال بقوة، ما قيمة المقاومة بمعزل عن الوحدة؟ ومتى تتطلع أقطاب الانقسام إلى الشعب الغارق في كابوس لا ينتهي.
في أحاديثي مع الأصدقاء في قطاع غزة سألت احدهم هل تشعرون بالخوف من الهجمات والقصف والطائرات، كنت اعرف أن سؤالي غبي لان الخوف سمة مميزة للبشر، جاءتني الإجابة واضحة جلية والتي تقول نحن لا نخاف الموت، نحن نخاف الإصابة، نخاف فقدان الأصدقاء، نحن نخاف ونحب الحياة ولكننا لا نخشى الموت، وهذا قدرنا نخرج إلى الشارع عندما يبدأ القصف فالشارع أكثر أمنا.
إن الخوف الذي يجتاح الشارع الفلسطيني ليس من الموت، فالموت قادم لا محالة، والخوف ليس من دولة الاحتلال حتى في اعتى ممارساتها كما يحدث في قرية عورتا وسلوان وبلعين وكل شبر من قطاع غزة، الخوف ليس من الإسرائيلي لان كل فلسطيني مدرك للمخاطر القادمة من الاحتلال، واكبر دليل على ذلك معركة مخيم جنين التي أحيا البعض من شعبنا ذكراها التاسعة، فميزة معركة مخيم جنين البطولية أن المخيم توحد في وجه الخطر الداهم وعقد العزم على تعميد الوحدة بالدم وكانت النتيجة ملحمة تضاهي البطولات التي قرأنا عنها في التاريخ.
ما هو مصدر الخوف الذي يجتاحنا في عزة والضفة؟ وإذا كان الاحتلال ليس مسبباً رئيسياً لحالة الخوف الساكنة في عقولنا وقلوبنا وضمائرنا؟ هل أصبح الفلسطيني مصدر الخطر على الفلسطيني؟ وهل بات الفلسطيني يخاف من الفلسطيني؟ ولماذا يكتفي الفلسطيني بمتابعة عمليات الذبح والتنكيل الفاضحة بأبناء شعبة عبر الفضائيات؟ اليس هذه مفارقة تحتاج أن نقف أمامها بمصداقية عالية؟ الم تأتي لحظة الاعتراف بالحقيقة والتي تؤكد أن الخطر الأكبر على الفلسطيني هو الفلسطيني نفسه.
المشهد معقد جداً،خوف وجرأة ووحدة وتناقض، اليوم في نفس الخندق وغداً صدام وقمع، هذا هو الحال في الضفة وقطاع غزة، ولا زالت مشاهد القمع التي تعرض لها شبابنا وشاباتنا حاضرة في الأذهان عندما نزلوا إلى الشارع يطالبون بحريتهم وكرامتهم ووحدة شعبهم، ولا زال هناك حتى كتابة هذه الكلمات شباب يقبعون في زنازين الانقسام لأنهم رفعوا الصوت في وجه الكذبة التي تتحدث عن إنهاء الانقسام.
الخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج، الخطر الحقيقي ساكن فينا، وكما قال الشاعر العراقي المكافح مظفر النواب أصبح الواحد فينا يحمل في الداخل ضده، فالشعب مع المقاومة ولكن أي مقاومة؟ والشعب ليس ضد حماس أو السلطة لأنهم من الشعب، والشعب ليس ضد القانون والنظام، والشعب ليس ضد الأجهزة الأمنية والشرطية، ولكن الشعب ضد سياسات التضليل والمقاومة التي لا تنتمي إلى الشعب ممارسة على ارض الواقع، والشعب ضد الديمقراطية المعلبة الموجهة التي لا تحقق سيادة الشعب كل الشعب، والشعب ضد أجهزة أمنية تكاد لا تنتمي لشعبها بممارساتها اليومية.
هنا مكمن الخوف، وهو خوف من نوع ا خر يتداخل فيه الوطني بالاجتماعي والصحي والوظيفي والقيمي، وهذا الخوف اخطر بكثير من ممارسات الاحتلالية التي تصل لدرجة جرائم الحرب والشعب يدرك ذلك تماماً، لكنة لا يحرك ساكناً، يجر إلى المسلخ بصمت دون أية مقاومة، وهذا الخطر الثاني الذي يداهمنا كشعب، ولا يكفي أن تخرج النخبة لتمارس اللعبة النضالية بمعزل عن السياج الحامي، ففي الضفة الغربية يتكرر المشهد المتعلق بالمقاومة الشعبية للاستيطان والجدار، هذه المقاومة المشروعة تحتاج إلى عمق جماهيري والشعب الفلسطيني يمتلك مخزون ضخم وخبرة كبيرة في العمل الجماهيري، لكل مشهد المقاومة الشعبية يأكل نفسه ويتكرر أسبوعيا باعتراف من يقفوا على رأسه لدرجة أن بعض قادة المقاومة الشعبية انخرطوا في جيش الموظفين في السلطة الفلسطينية.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ضمن حالة التيه التي تجتاح الشعب الفلسطيني الواقع بين سنديان جرائم الاحتلال والانقسام الفلسطيني، أين الأولوية؟؟؟ وهل على الشعب الفلسطيني بقواه الحية أن ينظر إلى الخلق وينهي الملفات الشائكة وعلى رأسها الانقسام؟ هل مقاومة الاحتلال أولوية فلسطينية في هذه المرحلة؟ وإذا كانت كذلك كيف يتسنى للشباب الذي يتعرضوا للقمع والاعتقال في قطاع غزة والضفة الغربية الجمع بين هذين المتناقضين؟ أنة القمع المركب بصرف النظر من أين يأتي، وهذا في اعتقادي يسلط الضوء على الخلل الذي يضرب العلاقة بين الخوف والجرأة لصالح الخوف.
قد يكون

CONVERSATION

0 comments: