لا لفك الحصار عن غزة/ د. فايز أبو شمالة

إذا كان الهدف من فك الحصار عن غزة هو إدخال مواد التموين، وحاجات الرفاهية، ومواد البناء، والعطور الفاخرة، والأجهزة الكهربائية، والسيارات، والبهارات، والسماح لسكان غزة بالسفر إلى أوروبا، والتمتع بجوها السحري، فبئس فك حصار يسعى إليه الفلسطينيون، واحتمل من أجله الناس عذاب سنين!.
قصير النظر قد يحسب أن مشكلة غزة في نقص المواد، وقلة الموارد، وانعدام فرص العمل، والمشاريع الاستثمارية، واختناق الحياة بالحدود الإسرائيلية الشائكة ـ ولا ينكر أحد أن هذه بعض مشاكل غزة ـ ولكن حال أهل غزة مثل حال السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فهم في حاجة إلى حريتهم أولاً، وفي حاجة لإشباع جوعهم إلى الحياة. ولكن إطلاق سراحهم من السجون لا يعني نهاية المشوار، وانتهاء حالة العداء مع اليهود الإسرائيليين. بل على العكس من ذلك، فمن أمضى زهو حياته في السجون، لا يفتش عن حريته الشخصية، لينسى السبب الذي من أجله احتمل العذاب خلف القضبان؟
فك الحصار عن غزة هو بداية مشوار المقاومة، وانتصار الإرادة، والخلاص الفلسطيني من قيود الاحتلال الإسرائيلي، وبداية مرحلة جديدة من الاستعداد لاسترداد الحقوق الفلسطينية المغتصبة سنة 1948، وكل من يفكر أن صراع غزة مع إسرائيل يقف عن حدود غزة فهو واهم، وكل من يفكر أن فك الحصار يعني بداية تمتع الناس في غزة بحياة الملذات فهو طائش التفكير، وهذا يعرفه الإسرائيليون جيداً، ويخشون منه، ويعرفون أن التركي، والجزائري، والمصري، والكويتي، والسوري، واللبناني، والأردني، والمسلم بشكل عام، لم يأت كي يمسح الدهن عن صحون الفلسطينيين، ولم يحترق دم العالم الحر على غزة كي ترش نساؤها العطر على فراشهن، ويصففن شعرهن، ويصبغن أنفسن بالألوان البراقة.
فك الحصار عن غزة يعني نهاية مرحلة الاستخذاء، وبداية الانجلاء لطريق الحرية، وهو يحمل دلالات سياسية وليست حياتية فقط، ولاسيما بعد اصطفاف محاور إقليمية إلى جانب الشعب الفلسطيني، ولا بأس من الاستعانة بالضغط الدولي، واستنفار المشاعر الإنسانية، داعمة لصمود أهل غزة، وقوة صبرهم على الشدائد، ليكون فك الحصار بداية الفصل الحقيقي بين الدولة العبرية الغاصبة وبين بعض الأرض الفلسطينية المحررة في قطاع غزة، على طريق تحرير باقي الأراضي المحتلة، معتمدين أساليب قتالية جديدة، وإبداعات نضالية، ومواجهات، بعيدة عن أسلوب إضاعة الزمن الفلسطيني خلف طاولة المفاوضات.
**
برنامج "أبو علي شاهين" للمصالحة

أقرأ ما يكتبه الأخ "أبو علي شاهين"، وهو قيادي بارز في حركة فتح، وله رأي نقدي حاد في الحالة الفلسطينية بشكل عام، وفي حالة الانقسام القائم على الأرض؛ فهو ناقد لحركة حماس بحكم الخلاف السياسي القائم معها، ولا أرى في هذا النقد تجاوزاً لمألوف الخلاف التنظيمي في الساحة الفلسطينية، وإن بالغ قليلاً في الفترة الأخيرة. ولكن الرجل ينتقد حركة فتح، والسلطة الفلسطينية في قضايا جوهرية، تستوجب التدقيق، ولاسيما أن مواضع نقده للسلطة الفلسطينية تشكل نقاط إجماع فلسطيني، وأزعم أن التجاوب السياسي معها يمثل حجر الأساس لتجاوز حالة الانقسام، وتحقيق المصالحة الفلسطينية، ففي رده على السيد عباس زكي: "بأن الرئيس طلب من ميتشل أن يقدم ما لديه من أطروحات أمريكية لتحقيق السلام وعدم انتظار الأطروحات الإسرائيلية، وأن الجانب الفلسطيني يتفاوض حاليا مع واشنطن وليس مع تل أبيب" يرد أبو علي شاهين قائلاً: بعد قراءتي ما جاء على لسان الأخ عباس زكي، عرفت جدول أعمال لقاء 9/6/2010 القادم في واشنطن، بل وعرفت نتائجه؛ وكأن هذا اللقاء يجئ لوضع حجر الزاوية لإقامة وتأسيس دولتنا الفلسطينية المستقلة على التراب الأمريكي!. ويضيف أبو علي شاهين: هذه خطة إستراتيجية رائعة، ويا ليت أن يتم تنفيذها فوراً !!! لكي تصبح دولتنا الفلسطينية ليس على الأرض الفلسطينية بل على أراضي الهنود الحمر.
ويتوجه الرجل للقيادة الفلسطينية قائلاً: قلتم لنا "سلام" قلنا يا صبر أيوب، قلتم مفاوضات ..قبلنا، قلتم ما قلتم؛ و"الله غالب" قبلنا، لكن مفاوضات مع أمريكيا، وليس مع (إسرائيل) .. فهذا أمر يبعث على التقزز والاشمئزاز، لما فيه من كم كبير يستخف بعقولنا الإنسانية، كفى، ثم كفى، ثم كفى..أنتم قيادة؟ نعم انتم قيادة، ولكنكم لستم أبناء ماء السماء، عودوا إلى الواقعية الثورية، ودعوكم من الإفراط في ترجي العدالة من "اليانكي" القذر الأمريكي القاتل. ويضيف: منذ أوائل عام (1974) والمفاوضات "دايرة على وذنه؛ سرية وعلنية" مع زعامة الكيان الصهيوني, وأخيرا نفاوض الأمريكان. نام يا شعب نام وعليك الأمان. ويضيف أبو على: أما الأمر الموغل في القرف؛ فهو هذا الإصرار الرسمي الفلسطيني على اعتبار المفاوضات هي الخيار الاستراتيجي الأوحد والوحيد والواحد والأحد والآحاد، ولا بديل ولا تغيير لهذا المنطق العدم الذي تَفّه قضيتنا!. ليكمل الرجل ساخراً من المقاومة السلمية: وعندما أرادت "قيادة الخنادق" عبر ساحات دول الاشتباك! أن تضيف إضافة نوعية للمفاوضات (الخيار الاستراتيجي اليتيم الأب والأم ) فكانت الإضافة هي "المقاومة السلمية"؛ ولا حجر يا بشر!!.

انتهى كلام الأخ "أبو علي شاهين" النقدي الجريء، الذي يقودني لاستخلص: أن قطاعاً عريضاً من حركة فتح يرفض فكرة المفاوضات العبثية، وشروط الرباعية التي تقف شوكة في حلق المصالحة الفلسطينية، بما في ذلك لاعتراف بإسرائيل، ونبذ المقاومة.
فهل سيحمل وفد اللجنة المركزية، واللجنة التنفيذية القادم إلى غزة برنامج "أبو علي شاهين" للمصالحة، والذي يعتمد على المقاومة، ونبذ الاستخذاء المالي، واستجداء الحلول الهزيلة. أم سيتم قطع راتب الرجل هذا الشهر!؟.
**
لعبة السفن السخيفة

سفن كسر الحصار لعبة سخيفة! هذا كلام السيد محمود عباس، استرجعه وأنا أتابع جنون القراصنة الذي عصف بقافلة الحرية، وطلا بلون الدم شواطئ المتوسط، إن كلام السيد عباس يجبر كل عاقل على فتح الدفاتر القديمة، ويراجع تصريحات الرجل لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 11/12/ 2008، ورأيه بسفن كسر حصار غزة. حين قال السيد عباس: "هذه لعبة سخيفة اسمها كسر الحصار، السفن تنطلق من ميناء "لارنكا" القبرصي، أولاً: السفارة الإسرائيلية تأخذ كل جوازات سفر من سيركب السفينة للتأكد من هويات المسافرين، ثم تتفحص ما ستحمله السفينة من مساعدات. ثانياً: قطع البحرية الإسرائيلية تعترض طريق هذه السفن، وتتأكد من الموجودين على السفينة، والبضائع المحملة، قبل أن تسمح لهم بمواصلة الرحلة إلى غزة. هذه دعاية كاذبة، ورخيصة، ومزايدة لا أول لها ولا آخر".
انتهى كلام السيد عباس، ليبدأ التساؤل: ما رأي السيد عباس بقافلة الحرية، وهي جزء من مسلسل السفن الهادف إلى كسر الحصار؟ ماذا تقول يا سيد عباس عن الدم الذي سال، وعن الضحايا الذين سقطوا؟ وماذا فعلت يا سيد عباس من ذاك التاريخ؛ قبل أكثر من عامين على تصريحك المذكور، وحتى يومنا هذا من أجل فك حصار غزة؟ هل وضعت فك الحصار عن غزة وإطلاق سراح ثمانية آلاف أسير فلسطيني شرطاً لبدء المفاوضات غير المباشرة مع القراصنة الإسرائيليين؟ هل سعيت من خلال جامعة الدول العربية لفك الحصار عن غزة لتصف محاولات سفن فك الحصار بالسخيفة؟ وهل أقلقك حصار غزة لتطلب من رئيس وزراء إسرائيل السابق، صديقك "أهود أولمرت" بأن يرفع الحصار، وقد التقيت فيه عدة مرات؟. وإذا كانت سفن فك الحصار دعاية كاذبة، لماذا لم تسع لدى الرئيس المصري لفتح معبر رفح؟ وطعن الحصار الإسرائيلي من الخاصرة العربية؟
من حق الفلسطينيين مراجعة تصريحات قيادتهم؛ لأنها تترجم إلى قرارات سياسية، بما في ذلك تصريحات السيد عباس الذي وصف فيها المقاومة لإسرائيل "بالعبثية"، ليبرر ذهابه إلى طاولة المفاوضات دون الالتفات إلى الحقائق التي تفرض على السيد عباس أن يراجع حساباته، وأن يراجع مصادر معلوماته التي شكلت وعيه السياسي، وأثرت على قراره الذي يعصف بالقضية الفلسطينية. حقائق تحتم على رئيس فلسطين القريب أن يقتدي برئيس "نيكاراغوا" البعيد الذي يقطع علاقات بلاده بدولة القراصنة، وأن يتصرف مثل رئيس وزراء تركيا "أردوغان" الذي قال: لن ندير ظهرنا لغزة، وأن يتفكر في تصريح الرئيس الإيراني حين قال: إن أي هجوم على غزة سيؤدي إلى حالة غضب ستجتث دولة القراصنة. على السيد عباس أن يتذكر حقيقة اهتمام العالم بغزة المحاصرة أكثر من اهتمامهم بالسيد عباس نفسه، ليرد اسم غزة أكثر من 116 مليون مرة يومياً على مؤشرات البحث في الإنترنت!. إنها حقائق لا يمكن تسخيفها يا سيد عباس.

CONVERSATION

0 comments: