مائير داغان والمهمات العالقة/ د. مصطفى يوسف اللداوي

تنتهي بعد أيامٍ قليلة فترة خدمة مائير داغان في رئاسة الموساد الإسرائيلي، بعد أن قضى في منصبه ثماني سنوات، جعلت من فترة خدمته الأطول في تاريخ الموساد الإسرائيلي، نفذ خلالها لصالح الموساد عشرات المهمات المعلنة والسرية، فنجح في تنفيذ بعضها، بينما فشل في الوصول إلى أهدافه في بعضها الآخر، ولكن الإسرائيليين، ورغم العديد من العمليات التي فشل في تحقيقها، إلا أن النخبة الإسرائيلية اعتبرته بطلاً، ووصفته بأنه صاحب المهمات الصعبة، وأيدت اختياره رجل العام 2009، وعزت إليه الكثير من النجاحات التي حققتها الحكومة الإسرائيلية، وبررت فشله في العديد من المهام، وساندته في تبرير الأخطاء التي وقع فيها جهازه، خلال تنفيذ عملية اغتيال محمود المبحوح في دبي في العشرين من شهر فبراير/شباط 2010، واعتبرت أن المهمة التي قام بها داغان تتجاوز بكثير السلبيات والأخطاء التي وقع فيها فريق التنفيذ، فالحكومة الإسرائيلية –بنظرهم- قادرة على امتصاص النقمة الدولية، ولكن إسرائيل غير قادرة على تحمل تبعات أنشطة المبحوح العسكرية.

ولكن مغادرة مائير داغان الطبيعية لمنصبه خلال أيامٍ قليلة أصبحت مثار لغطٍ وخلافٍ كبير لدى خاصة القيادة الإسرائيلية، فهو كغيره ممن سبقه يجب أن يغادر منصبه عند انتهاء مدة خدمته، خاصةً أنه قد تم التجديد له لفترةٍ إضافية، كما أن فترة خدمته قد شابتها بعض الأخطاء التي اعتبرت أحياناً أخطاءٌ قاتلة، فما الذي يدفع برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى التفكير في تمديد مدة خدمة داغان لعامٍ قادم، ترى هل أن هناك ملفاتٌ وقضايا حساسة، ومازالت عالقة على أجندة جهاز الموساد والحكومة الإسرائيلية، ولم يتمكن داغان وجهازه من الانتهاء منها، ولهذا يحرص رئيس الحكومة الإسرائيلية على التمديد له، أم أنه لم ينتهِ من تنفيذ مخططات التصفية التي عرف بها، وميزت أغلب أنشطة جهازه خلال السنوات الماضية، أم أن الملف النووي الإيراني الذي يلقي بكل ثقله على الحياة السياسية الإسرائيلية، يتطلب بقاء داغان في منصبه إلى حين الانتهاء من التهديد النووي الإيراني، فهو أكثر المطلعين على تفاصيل البرنامج النووي الإيراني، وهو الذي يقدم التوجيهات والنصح لرئيس الحكومة الإسرائيلية في كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، وهو الذي يتابع التفاصيل الدقيقة في البرنامج، ويتابع ويلاحق كل الذين يعملون في البرامج النووية الإيرانية، سواء الفنيين الذين يشغلون المفاعلات والمعجلات النووية الإيرانية، أو العلماء الذي يسابقون الزمن في وصول إيران إلى القنبلة النووية، أم أن هناك ملفاتٌ مازالت عالقة مع نظرائه من قادة ورؤوساء الأجهزة الأمنية الأخرى، وأن التنسيق القائم بينهم يتطلب وجوده شخصياً، فهو الذي شهد البدايات، وعليه أن يتابع حتى يصل معهم إلى النهايات.

مائير داغان جنرالٌ مسكون بأعمال التصفية والاغتيالات، فقد أقدم على تنفيذ عمليات اغتيال كثيرة، وقد تم الاعلان عن بعضها، ولكن أغلب عمليات القتل والتصفية التي يقوم بها جهاز الموساد الإسرائيلي تتم في الخفاء، ودون جلبة أو إعلام، ولا تستطيع الجهات المستهدفة أن تعلن شيئاً أو أن تتهم إسرائيل بالمسؤولية عنها لأسبابٍ عديدة، أقلها أن الموساد الإسرائيلي غالباً لا يترك وراءه أي اثر أو دليل يدل عليه، كما أنه لا يعلن مسؤوليته عن جرائمه، ولهذا فإن الكثير من عمليات القتل الغامضة يقوم بها الموساد الإسرائيلي، خاصة إذا كانت الشخصيات المستهدفة بالتصفية، علمية أو عسكرية أو أمنية، كما حدث مع العالم النووي الإيراني مسعود علي محمدي، وكما جرى مع عشرات العلماء العرب في أوروبا، وقد أثبت داغان جدوى منهج التصفية والقتل في التأثير في قوة الخصم وفعاليته، وأستطاع أن يضيف إلى رصيده، بغض النظر عن الأخطاء والسلبيات، والتبعات الدولية التي أضرت بسمعة وعلاقات إسرائيل الدولية، تخليص إسرائيل من رجالٍ كبار، ألحقوا أضراراً كبيرة بإسرائيل، وتسببوا في قتل العديد من جنودها ومستوطنيها، فكان قتل عماد مغنية ومحمود المبحوح، وتدمير قافلة السلاح في السودان، نياشين إنتصار وأوسمة غلبة، علقت على صدر دوغان، فحفظت اسمه، وأضافت إلى سجله انجازاتٍ جديدة، كان لها أثرها على الدولة العبرية.

مائير داغان الذي استطاع –بزعم بعض الخبراء الإسرائيليين- أن يضع حداً لطموحات سوريا العسكرية، وأن يحول دون انخراطها في برنامج تسلحٍ نووي، فاستطاع أن ينال من البرنامج النووي السوري قبل أن يتشكل، قد تم التمديد له مرتين في عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أيهود أولمرت، وكان أرئيل شارون قد عينه في منصبه، بعد أن كان مسؤولاً عنه لفترة طويلة، إذ خدما في الجيش معاً، ونفذا معاً حملات التصفية الجسدية لمقاتلي قطاع غزة في سبعينيات القرن الماضي، عندما كان أرئيل شارون حاكماً عسكرياً لقطاع غزة، وقد انسجم شارون كثيراً مع داغان في تنفيذ سياسة "الحلق"، التي نفذاها في الضفة الغربية وقطاع غزة، عندما قام أرئيل شارون في فترةٍ قصيرة بتصفية العشرات من قادة ورجال المقاومة الفلسطينية، وذلك بموجب الخطط والتصورات والأهداف التي عكف داغان على وضعها.

ولهذا مازال نتنياهو الذي جدد لداغان العام الماضي سنةً إضافية، يرى خطورة التخلي عنه في هذه الفترة بالذات، وفي ظل الظروف العصيبة التي تمر بها إسرائيل، وفي ظل الأخطار المحدقة بها جراء تغير بعض السياسات الدولية، ولكن يبدو أن هذا ليس هو السبب الوحيد الذي يدفع نتنياهو إلى التمسك بداغان، ورفض تسريحه من الخدمة، فإسرائيل تمر دوماً في ظروفٍ صعبة، وتواجه تحدياتٍ دائمة، ولم تهدأ جبهاتها يوماً، ولكن الغالب أن مائير داغان مازال يحتفظ بأجندةٍ سرية، تستهدف تصفية واغتيال عددٍ من الشخصيات الوطنية، في داخل فلسطين وخارجها، فمازال جهاز الموساد الإسرائيلي، ورئيسه الأطول خدمةً في تاريخه، يحمل في جعبته قائمة مجهولة من الشخصيات، وسلسلة غامضة من الأهداف ينوي تحقيقها، ومهماتٌ سرية عالقة يسعى لانجازها قبل أن يرحل.


CONVERSATION

0 comments: