السارقة والمعتوه/ د. عدنان الظاهر

أي زمانٍ هذا الذي نعيشُ ونرى ؟ أيُّ زمان ردئ بالتْ عليه الثعالبُ ؟
سارقة جِهاراً نهاراً لا تعترف ولا تعتذر إذْ تُكشَفُ للملأ سرقتها. بل وتكابر وتغالط وتُنكر بصلف وعنجهية. أيَّ أدبٍ نتعاطى اليوم ومع أيِّ أدباء وأديبات ؟
إدّعت أنها لم تقرأ لي وإنها وجدت في النت مقطعاً معيّناً من قصيدة لشاعر شاب لم ينشرْ قبلاً شيئاً في المواقع ولا يعرفه أحدٌ خارج العراق بل ولا تعرفه في مدينة الحلة العراقية إلاّ حلقة ضيقة جداً من المثقفين والشعراء. نشرتُ في العديد من المواقع في شهر آذار مقالة بعنوان ( ثلاثة شعراء من شباب الحلة ) تناولت فيها قصيدة لكل شاعر منهم وكلهم من الشباب لم ينشروا في المواقع أبداً وكنت أنا أول من كتب عنهم. الشاعر ـ المشكلة هو السيد كاظم خنجر ... كتبت تحليلاً لقصيدة له بيّنت ضعف الشعر في المقطع الأول منها وبيّنت قوة الشعر في مقاطع أخرى وهذا ما يقتضيه شرف الموضوعية والحياد والتوازن الأدبي والأخلاقي، الكتابة عن الجيّد والكتابة عن الردئ سواء بسواء. أكرر : لم يكتب عن السيد كاظم غيري لا قبلي ولا بعدي. فما فعلت السيّدة إيّاها بعدي ؟ أخذت المقطع السيّء من قصيدة السيد كاظم وقالت فيه كلاماً لا يخرجُ في مجمله عمّا سبقَ وأنْ قلتُ أنا فيه ! أنكرت السيّدة أنها تقرأ لي فنشرتُ أحد الروابط في نص قراءتي لقصيدة السيد كاظم وطلبتُ منها أنْ تنشر الرابط الذي وجدت فيه ذاك المقطع إيّاه لكنها لم تستجب ! والأسوأ من هذا أنها هي التي تدّعي أنها لا تقرأ لي قالت قبل هذه الأحداث بأيام معدودة فقط إنها أُعجِبت بحواريتي التي بعنوان ( رومانس المتنبي ) التي كنتُ نشرتُها في عدد من المواقع ! نعمْ ، هي نفسها كتبت هذا الكلام في معرض الرد على تعليق لي في موقع النور على الأغلب. سؤالي : كيف يُعجبُ المرءُ بنص لم يقرأه ولا يعرف كاتبه ؟ أيَّ زمان بائس نحيا هذا اليوم ؟
أفتح بعد ذلك صفحة ذلك الشخص الذي تقول مدينته عنه إنه معتوه وإنَّ في عقله خللاً . وقف هذا الشخص وراء السارقة بكل صَلَفٍ ووقاحة ودافع عنها وبرر سرقتها بكلمات قليلة خبيثة ظاهرها حق وباطنها باطل ولئيم أسود يُحاكي ما في رأسه من خلل. قال ما قال بالباطل كأنه يطلبني ثأراً لا أعرف أسبابه ودوافعه. لم أقف ضده حين هاجمه بعض القرّاء وكشفوا ماضيه في العراق وما كان عندي من أسباب تدعوني للوقوف ضده أو ضدَّ غيره من البشر. لا من علاقة تربطني به ولم أسعَ لأيِّ شكل من أشكال العلاقات للإرتباط به أو كسب صداقته. بل وكنتُ قد وقفت معه ذات يوم وشجعّته أنْ يمضي في تجاربه. حقاً للجنون فنون !
أعود لعالم السُرَق والسُرّاق والسارقاتِ [ ضَبْحاً ] فأقترح على السادة أصحاب المواقع أنْ يقاطعوا الحرامية من كلا الجنسين وأنْ يحظروا عليهم النشر في مواقعهم بل وأنْ يعرّوهم أمام الناس فهؤلاء قوم لا خَلاقَ لهم إنهم طفيليون وعالة على غيرهم بل وحشرات منُحطّة من صنوف العث لكنه عث مُختص بالأدب وليس بملابس الناس. أما الواقفون وراء الحرامية داعمين ومُصفّقين فهم في نهاية المطاف لا يختلفون عن الحرامية من حيث التدنّي الخُلقي فالذي يُشجّع السرقة ويتستر عليها تماماً كالمشارك في الجريمة أو المُحرِّض عليها أمام القضاء والقانون. صحيح إنها ليست جريمة قتل لكنها جريمة أخلاقية وأدبية وإنسانية.
طلبت من سيّدتنا السارقة أنْ تعتذرَ مني لأني المسروق ومن القرّاء لأنها خدعتهم ومن السيد الشاعر صاحب النص المُعتدى عليه لكنها رفضت الإعتذار مني ومن الشاعر الذي أساءت له مرتين : بتركيزها على الجوانب السيّئة في مقطع واحد من قصيدته وإهمالها الجوانب الجيّدة في مقاطع أخرى فاختلّتْ موازينُها وأخلّت بالقواعد وبشروط الإلتزام بموضوعية الناقد وحرصه على إبراز الحقائق كاملة لا منقوصة ولا مبتورة.
هل سيتعظ الحرامية إذا ما قرأوا كلامي هذا ؟ لا أظن ! فلقد كتب كثيرون غيري قبلي ممن وقعت بحقهم السُرَق الكبيرةُ منها والصغيرة وما زال حرامية الأدب يمارسون ما يمارسون تحت ضوء النهار لا يخجلون وهل في رؤوس الحرامية شئ من الحياء ؟ إنهم رغم غبائهم يركبون رؤوسهم ويكابرون ويعثرون على مبررات لسرقاتهم لا تُقنعُ أحدأً يقولونها وهم أول من يعلم إنهم لا يقولون إلاّ الكَذِب. حرامية وكذّابون ومراوغون ومن مستويات دُنيا من البشر.
مُلحق : هذا بعض ما كتبتُ عن قصيدة الشاعر الشاب الحلّي السيد كاظم خنجر بيّنتُ فيه الردئ والجيّد بحيادية وموضوعية مطلوبتين من أي كاتب يتصدى لنقد نصوص الآخرين .
[[ ثلاثة شعراء من شباب الحلة
في أحد أيام شهر شباط من هذا العام وفي جلسة في مقهى الجندول على ضفة نهر الفرات في مدينة الحلة تعرّفتُ على ثلاثة من شباب شعرائها هم :
1 ـ كاظم خنجر
2 ـ علي تاج الدين
3 ـ أحمد ضياء هادي تاج الدين
قدّمَ لي كلٌّ منهم وحسب طلبي واحدةً من قصائدهم مطبوعة على الكومبيوتر . كما طلب الشاعر موفق أبو خمرة منّي أنْ أقدّمهم للقرّاء كنماذج للشعراء الشباب في الحلة .
لم يكتب الشاعران الأول والثاني موجز تأريخ حياتيهما لكنَّ الثالث كتبَ .
أبدأ بالشاعر الأول لأنني قابتله في مقهى الجندول مرتين ثم أجرى معي مقابلة مطوّلة في راديو صوت الشعب في الحلة. إنه السيد كاظم خنجر .
عنوان قصيدته هو ( الحبُّ صابونٌ على لحيةِ البدوي ). عنوان يُثير فضولَ القارئ لأنه غير متوقع بل وغير مألوف . ما علاقة الحب بالبدوي وبلحية البدوي ؟ ما الذي يربطُ الرومانس العصري بعالم البداوة ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين ؟ قبل أنْ أعرضَ نماذجَ من هذه القصيد لا بدَّ من تثبيت ما يلي :
أولاً / في كاظم خنجر شاعرية واضحة لكنها لم تنضجْ بعدُ. لغته سليمة متينة لا عوَجّ فيها ولا عيوب نحوية جديّة .
ثانياً / إنه يجهدُ نفسه في محاولة كتابة قصيدة نثر بعيداً عن عالمي عروض الفراهيدي وشعر التفعيلة الحر . لكنه يفرط في التغريب والشذوذ حاسباً أنَّ ذلك من شروط ومتطلبات قصيدة النثر الحديثة. ليس الأمرُ كذلك يا سيّد كاظم .. ليس من شروط قصيدة النثر لصق المتضادات اللغوية أو المعنوية لصقاً عشوائياً مُفرطاً في العشوائية والإنحراف. قصيدة النثر محسوبة على الشعر وللشعر قوانينه وآلياته ومنطقه الخاص الذي يتحرك ويتغيّر من شاعر إلى آخر. أنصحك سيد كاظم أنْ تقرأ المزيد من شعر النثر ودونك المواقع طافحة بهذا النمط من فن الكتابة المُسمّى قصيدة النثر.
 أعرضُ نماذجَ من قصيدة " الحبُّ صابونٌ على لحيةِ البدوي " :
(( رجَّ الفجرُ قوقعةَ الأفق
فمدّتْ بَطنَها الشمسُ
كحٍلزونٍ على خوصةِ الصبحِ
لتتخثرَ أفياءُ الظُهرِ كمشطِ ذُبابٍ على شعرِ المزابلْ
أعرجُ يتوكأُ الغروبَ على الأقطابِ
كحافرٍ عُتّقتْ فيهِ مساميرُ زنوجي
فهامتْ تنحرُ مشاعِلُهم جلدَ الخيمة
لتسيلَ هجرتي ليلاً على زجاجِ السماءِ
فيا ناقتي
يا مجدافيَ المحروقُ
الحربُ طابوقٌ من وحلِ الدم
تشّلهُ أجفاني كي أغرسَ عينيَّ بأصابعهم
كي ترفسَ أصداغي تحت ركلِ الثأرِ
فهل الحصادُ هو أنْ يحلقَ القحطُ قميصَ العُشبِ المترقرقِ فوق نهديها ))؟
....
بدأ الشاعرُ هذه القصيدة بداية ناجحة موفّقة [[ رجَّ الفجرُ قوقعةَ الأفقِ ]] ...  فجمعُ صوتي حرف الجيم في رجَّ الفجرُ كبّرَ تأثير المقدمة في السمع والإيحاء المطلوب من كل شعر كأنه الصوت وصداه أو الهارموني بلغة الموسيقى. ولكنْ .. ما قال الشاعر بعد هذا التقديم الدرامي الناجح ؟ تلك هي المشكلة. لم أجد في الأبيات السبعة التالية أثراً قوياً يُشير إلى شعر أو أي شئٍ يمتُّ للشعر بصلة ! الألفاظ قوية محّكمة لكنَّ وضعها في الأماكن التي جاءت فيها عطّل فيها قوة الإيحاء وأفقدها قدرة الشعر على التواصل مع القارئ. أقرأها فأتصور نفسي ألوك وأجترُّ قطعة نحاس بارد. بلى .. فيها صور كثيرة ولكنها صور مفتعلة مصففة بعناية ولكنْ لا حياةَ فيها. الكلام الذي لا يوحي ولا يُشيرُ ولا يُثير الدهشة والإستغراب لا يمكنُ أنْ يُحسب على الشعر. الشاعر هو خير ناقد لشعره .. لذا فعليه يقع عبء التثمين والتقويم والقدرة على التمييز بين الكلام الجيّد والكلام الفارغ من أي معنى.  الشاعر الحق ليس فقط ذاك الذي يقولُ شعراً مقبولاً إنما هو ذاك الذي يتنبأ بجوهر ونوع وعمق ردة فعل قارئه على ما قال من شعر. هذا هو القسطاس الحرج والمستقيم : قدرة مزدوجة على القول وعلى التنبؤ. الشعراء يتفاوتون في مواقفهم وإدراكهم وعمق فهمهم لهذه المعادلة ، معادلة القسطاس المستقيم. وإلا يظلُّ الشاعر يدور في فراغ .. يتكلم ولكنْ مع نفسه ولا مَنْ يسمعه. الشاعر ليس في نفسه حسبُ .. إنما هو في الآخر : المتلقي.
مشكلة أخرى وجدتها في هذه القصيدة. الشاعر كرر فيها " لأنَّ " ليشرح بها فكرةً أو أمراً ما. الشعر لا يحتمل تقديم تفسيرات وشروح. لندع القارئ يستنتج ويحلل ويستوحي ويفسر كما يشاء وكما تمليه عليه ثقافته الشعرية وإحساسه الظاهر والباطن . التفسير والفهم والإستلهام هناك .. في خفايا وظلمات الباطن. هناك الشعر الحقيقي. أمثلة من هذه القصيدة :
ـ أفمٌ هنا، فمُ إنسان ؟
ـ ذُبِحَ خلفَ أكوامِ القئ (( لأنَّ )) الخبزَ
كان بلا غازِ السكوت.
هذه (( أنَّ )) زائدة بل وضارة شأنها شأن الزائدة الدوديّة بل وأكثر شرّاً.
مثال آخر جاء مباشرةً بعد المثال الأول :
ـ فمُ شجرة ؟
ـ القيحُ حريقٌ في اللثةِ (( لأنَّ )) الدواءَ فجٌّ
هذه (( أنَّ )) أخرى لا تنسجم مع جوهر وطبيعة الشعر .. تُثقله وتُسئ إليه.
في الصفحة الثانية ومضات خاطفة توحي بشعر جيّد فالشاعر كاظم يجوّدُ حين يقترب من الأنثى ... الحبيبة ... وهذا محكُّ الشباب وفتوّة الصبى الفائر. ليته ينصرف لعالم الرومانس ويتخذه إختصاصاً رئيساً ومنهجاً لموهبته الشعرية فحرامٌ أنْ يبددها في عبث لا جدوى منه.
مثال من شعره في الرومانس :
(( شعثاءَ شابتْ حراشفُ قلبي في طشتِ الصمتِ
أنا الملتوي تحت مِعطفِ الإعتكافِ فجَرَبُ الحظِّ يغلي في رأسي
وحبّكِ شَفَةٌ مقصوصةٌ تدقُّ على طبلِ عمري المخروقِ
فأُجلّدُ بنارِ العَتمةِ هودجَ أحداقي )) ....
يحس القارئ في هذا المقطع بنوع من الدفء المتعاطف مع ميل الشاعر الشاب لفتاة يقاسي مما يشبه اليأس منها. هنا شعر حقيقي. ثمَّ .. كرر في البيت الأول حرف الشين أربع مرات فعلام يدلُ ذلك ؟ نواصل الجولة في عالم رومانس السيد كاظم :
(( لئلاّ يشهقُ سمعي في مرارةِ بسمتكِ ثانيةً
لئلاّ إصبعُكِ ـ هذا الرذاذُ الناضجُ على سهوبِ كفّي ـ
أبصرهُ مُقيّداً بخاتمٍ من أنيابهمْ
لئلاّ يُهدرُ رملُ بكائي وأتلمّسُكِ تنتشرين كرحيلٍ
على فوّهاتِ نوافذهمْ المُتسخة بالأفخاذ
فهنا الشفقُ مِدخنةٌ تسعلُ بشهيقِ الرؤيا
تكبسُ على رؤوسِ المطارقِ رئتي )).
كررَ هنا " لئلاّ " ثلاث مراتٍ كأنه وضع ثلاث نقاط سود على صفحة بيضاء خالصة البياض. مع ذلك يجدُ قارئ هذا النص شعراً يفرض نفسه عليه ويطلع عليه كرؤوس مُدببة تتقد بالنار والحرارة العالية. كإنها إبرٌ مغروسة في قلب وحس الشاعر. إنه يُعاني من تجربة حب فاشل عبّر عن فشله هذا بكيفيات قوية تصرخ وتندب وتُحذّر مَن أحبَّ من مغبّة السقوط بقبول رجل آخر لا يستحقها أبداً. إصبع حبيبته محاط بأنياب وليس بخاتم زواج. وشفق سمائه دخان وسُعال ورئته تسحقها المطارق. أبدع الشاعر هنا في تصوير حاله وحالة اليأس التي هو فيها بجُمل قوية ألفاظها ناطقة بالألم والإحباط وبشئ من السخط على دنياه ]].
نصُّ ما قالت السيّدة في شعر هذا الشاعر في موقع النور أضعُه أمام القرّاء ليروا بأمِّ أعينهم بعض ما يجري اليوم من عجائب في ميادين الأدب المختلفة.
[[وبعيدا عن ادعاء المعرفة وكرأي شخصي لقارئة متذوقة للشعر ، اجد ان مغالاة " هؤلاء الشعراء" في الغموض الملغز والمعقد ليس الا نتاجَ جهل باسرار قصيدة النثر العربية الحديثة من حيث الصورة المركبة والاستعارة والرمز والمجاز، ومن حيث ماهية الغموض الشفاف ،المقبول والمحبذ ، فنصوصهم تتعمد التعمية والتعقيد ، وتكشف بالتالي عن قصور في " خيال "الشاعر اذ تسعى بالدرجة الاولى الى الابهار المتصنع والبحث عن الشهرة والتضليل بقصد إدعاءِ الشاعرية.
وهذا مثال بسيط على الغموض المعقد أو " الهذيان المجاني" :
" ... مدّتْ بَطنَها الشمسُ
كحٍلزونٍ على خوصةِ الصبحِ
لتتخثرَ أفياءُ الظُهرِ كمشطِ ذُبابٍ على شعرِ المزابلْ
أعرجُ يتوكأُ الغروبَ على الأقطابِ
كحافرٍ عُتّقتْ فيهِ مساميرُ زنوجي
فهامتْ تنحرُ مشاعِلُهم جلدَ الخيمة
لتسيلَ هجرتي ليلاً على زجاجِ السماءِ"
وأتساءل :اين " الشراكة " هنا بين المتحدث (الشاعر) والمستمع ( القارئ) وكيف ستتحقق فاعلية القراءة التأملية الاستكشافية التي من اجلها كتب الشاعر نصه هذا ؟
أم انه يكتب لنفسه فقط ؟ ]].
إنتهى كلام السيّدة " الناقدة " أو المُحللة  !
أترك الحكم للسادة القرّاء وسأقبلُ بما يحكمون . إنها أسمت مداخلتي واعتراضي المُحتج [ شوشرة !! ] .

CONVERSATION

0 comments: