معارضون بلا معارضة في الأردن/ نقولا ناصر

(بمعزل عن العوامل الاقليمية والدولية في الفشل التاريخي الذريع للمعارضة الأردنية، فإن العوامل الذاتية هي التي أنتجت وضعها الراهن الذي يزدحم بوفرة من المعارضين لكنه يفتقد أي وجود لمعارضة فعلية)

سوف يظل التوصل إلى برنامج سياسي مشترك وإفراز قيادة موحدة موثوقة شعبيا هما المحك لنجاح أو فشل المعارضة في الأردن، وإلا سوف يستمر وجود معارضين يتساقطون الواحد تلو الآخر من دون وجود أي معارضة ذات صدقية، ليظل العنوان الرئيسي لأداء المعارضة هو الفشل التاريخي الذريع.
تاريخيا كان تركيز المعارضة ينصب على علاقات الأردن وسياساته العربية والخارجية، لكن التركيز تحول إلى الشأن الداخلي والاقتصادي منذ "هبة نيسان" التي قادت إلى إلغاء قانون الدفاع (حالة الطوارئ) أواخر العقد التاسع من القرن العشرين الماضي، وإلى انفراج سياسي انبثق عنه مسعى جاد لوضع قواسم وطنية مشتركة تمخض عنه "الميثاق الوطني" بعد انتخابات عام 1989 الذي وصف بأنه أحد أهم الانجازات في تاريخ المملكة الحديث و"أرقى وثيقة إجماعية عرفتها البلاد منذ دستور عام 1952".
ومن الواضح أن هذا الميثاق "لم ينفذ بعد" كما قال رئيس اللجنة الوطنية التي صاغته أحمد عبيدات، الذي أهلته رئاسة اللجنة للانتقال من كونه أحد أركان الحكم إلى مركز قيادي في المعارضة، وقاد عدم تنفيذه إلى نشوء ما وصفه عبيدات ب"فراغ قاتل" في الحياة السياسية دفعه مجددا إلى قيادة "ائتلاف الجبهة الوطنية للإصلاح" من أجل "إنعاش مبادرة الميثاق الوطني" في أواسط عام 2010، وتمثل الوثيقة التي أصدرها هذا الائتلاف دليلا على وجود حاجة ماسة لتحديث "الميثاق الوطني" ليستوعب المستجدات بعد إصداره وليستوعب كذلك الدروس المستفادة من فشل الحكم والمعارضة على حد سواء في تنفيذه.
والفشل في تنفيذ الميثاق الوطني يعني الفشل في إرساء القواسم المشتركة للوحدة الوطنية ويعني كذلك سلسلة الأزمات السياسية التي تجعل عمر الهيئات التشريعية المنتخبة وعمر الحكومات في الأردن، الذي شهد ستا منها خلال العامين المنصرمين، واحدا من الأعمار الأقصر في العالم، ليتحول عدم الاستقرار الحكومي إلى أزمة مزمنة. ومسؤولية المعارضة عن هذا الوضع لا تقل عن مسؤولية الحكم.   
إن تصدر شخصيات حكومية سابقة للمعارضة مثل عبيدات، ومؤخرا مثل عون الخصاونة الذي ساهم مساهمة فعالة في مفاوضات معاهدة وادي عربة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولة عن قدر كبير من السياسات الخارجية والداخلية الجديرة بالمعارضة، هو في حد ذاته دليل فشل المعارضة الذريع في إفراز قيادات من صلبها، وهو من ناحية أخرى دليل نجاح الحكم في إنتاج قيادات للحكم وللمعارضة معا.
وتوقيع معاهدة وادي عربة كان في الواقع تتويجا لمسار سلمي انتهجه الحكم تاريخيا وكانت معارضته ومعارضة العلاقات الخارجية المنبثقة عنه، وبخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية، أو معارضة علاقات الأردن الأميركية الوثيقة التي كانت تدفع باتجاه توقيع معاهدة كهذه، من القضايا ذات الأولوية في البرامج الأولى لقوى المعارضة.
لكن توقيع المعاهدة كان في المقابل دليل فشل المعارضة في منع توقيعها ثم في العجز حتى عن تعديلها ناهيك عن إلغائها بقدر ما كان نجاحا ساحقا للحكم وسياساته.
أما في الشأن الداخلي والاقتصادي اللذين تحول إليهما تركيز المعارضة منذ انتخابات عام 1989 فلم يكن أداء المعارضة أقل فشلا، وخصوصا في إنجاح مبادرة الإصلاح الأخيرة التي رافقتها الحراكات الشعبية التي انحسر مدها الآن بعد حوالي عامين منذ انطلاقها.
ولا يقلل من هذا الفشل انتقادات المعارضة لنتائج لجنة الحوار الوطني واللجنة الملكية لتعديل الدستور، وهي النتائج التي بددت مبادرة الإصلاح "أدراج الرياح" وولدت "ولادة قيصيرية" ليكون ما تحقق "على أرض الواقع .. مجرد محاولات بائسة للالتفاف على كل مطالب الإصلاح" كما لخصها عبيدات نفسه، فهذه الاتهامات تؤكد فشل المعارضة كذلك في إنجاح "مبادرة الإصلاح"، التي تمخضت عن البرلمان الحالي، وقانون انتخابه، وظاهرة "المحاصصة" وغيرها من الظواهر السياسية السلبية الهامشية التي تصرف الأنظار بعيدا عن الأسباب الحقيقية التي أفرزتها.
وبمعزل عن العوامل الموضوعية الاقليمية والدولية في هذا الفشل التاريخي الذريع للمعارضة، فإن العوامل الذاتية للفشل هي التي أنتجت وضعها الراهن الذي يزدحم بوفرة من المعارضين، الحقيقيين أو مدعي المعارضة، لكنه يفتقد أي وجود لمعارضة فعلية.
إن المعارضة "الإسلامية" التي استثنيت من الحظر الذي فرض على كل المعارضات الأخرى خلال فترة سريان قانون الطوارئ للاستفادة من خطابها الديني في تشتيت الالتفاف الشعبي حول المعارضة القومية واليسارية والديموقراطية لا تزال بوعي أو من دون وعي تلعب ذات الدور اليوم بعد إلغاء ذلك القانون.
فحشد الآلاف حول شعار تطبيق شرع الله الذي لا يجادل أحد فيه، على سبيل المثال، لن يضير متداولي الكراسي الحكومية والمقاعد البرلمانية مثل سؤالهم "من أين لك هذا".
وذلك يقود إلى التساؤل عن عجز كل المعارضات والمعارضين حتى الآن عن الاتفاق على قواسم حد أدنى مشتركة لبرنامج سياسي موحد يفرز قيادة موحدة للمعارضة بينما تلخص هتافات الحراك الشعبي عناوين واضحة ومختصرة لهذه القواسم تؤكد الهوة الواسعة التي تفصل بين من يتصدرون المعارضة إدعاء أم فعلا وبين نبض الشارع.
فالأولوية لدى هؤلاء لا تزال لإصلاحات سياسية تتعثر بينما الدافع الرئيسي للحراك الشعبي المطالب بالاصلاح والتغيير كان وما زال اقتصاديا – اجتماعيا.
وهو ما يقتضي استبدال شعارات إسقاط الحكم أو الحكومات بشعار إسقاط النهج الاقتصادي الذي يفرز حكوماته وبرلماناته وسياساته الخارجية والداخلية وهو المسؤول الأول عن الأزمة الاقتصادية الحاضنة الموضوعية للأزمة الحكومية والبرلمانية المزمنة بكل مخرجاتها، بقدر مسؤوليته عن السياسات الخارجية موضوع المعارضة ومنها معاهدة وادي عربة ونتائجها.
وفي نهاية المطاف يتضح اليوم أن فشل المعارضة يتحمل المسؤولية عن الوضع الراهن المأزوم بقدر ما يتحملها أنصار النهج الاقتصادي السائد وحكوماته وبرلماناته والقلة المستفيدة منه في القطاعين العام والخاص التي تتداول السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويتضح كذلك أن التعبير السياسي عن المعارضة ما زال مفقودا في الأردن بالرغم من ازدحام الساحة بالمعارضين حقا أم إدعاء.
* كاتب عربي من فلسطين  
* nassernicola@ymail.com

CONVERSATION

0 comments: