شهر العسل بين حماس والأردن/ د. مصطفى يوسف اللداوي

يتساءل كثيرون عن أسس العلاقة الجديدة بين الأردن وحماس، وما الذي استجد حتى يعود الدفء إلى علاقتهما الباردة حيناً والمتصادمة أحياناً، وهي التي مرت في كثيرٍ من المطبات والأزمات الكبيرة، تخللها ملاحقاتٌ وتضييقاتٌ أمنية، واعتقالاتٌ ومحاكماتٌ وطردٌ ومنعُ دخولٍ إلى البلاد، وتنسيقاتٌ أمنية أضرت بأمن وسلامة الحركة، وعرضت العديد من عناصرها إلى الاعتقال والملاحقة داخل الأرض المحتلة، ولم تستثن عمان في منهجها الأمني الشديد قيادات الحركة الأولى ورموزها الكبار، إذ طردت في العام 1995 موسى أبو مرزوق وقد كان رئيساً للمكتب السياسي للحركة، ولم تمهله سوى أيامٍ قليلة للمغادرة، فكانت النتيجة أنه أعتقل في الولايات المتحدة الأمريكية لسنتين، فقد خلالهما منصبه رئيساً للمكتب السياسي للحركة لصالح خالد مشعل، وعلى الرغم من أن الملك حسين توسط للإفراج عنه من سجنه واستقبله في عمان، إلا أن هذه المكرمة الملكية لم تمنع خليفته من بعده من طرد أبي مرزوق ورئيس المكتب السياسي وعددٍ آخر من أعضاء المكتب، ما أدخل العلاقة بين الأردن والحركة في نفقٍ معتمٍ لسنواتٍ طويلة.
فهل تغيرت السياسة الأردنية تجاه حركة حماس، ورأت أن سياسة التصادم والمنهج الأمني الذي اتبعته معها لسنواتٍ طويلة لم يعد يجدي نفعاً، وأنه أضر بمصالحها أكثر مما أفادها ونفعها، وأن احتواء حماس أفضل من التصادم معها، وأن إيواءها أسلم من طردها، وأن التعامل معها أكثر نفعاً من القطيعة معها، وأن وجودها في عمان يسهل مراقبتها ومتابعتها بل والتأثير عليها، بينما وجودها في عواصم أخرى يزيد في قوتها، ويجعلها عصية على الاحتواء والتأثير، أم أن المطلوب من عمان أن يكون لها دورٌ في المرحلة القادمة، تساهم فيه في زيادة الأعضاء المنتسبين إلى معسكر الاعتدال، فاستغلت الظرف وانتهزت الفرصة، لتعرض على حماس العودة والإيواء مقابل شروطٍ تريدها وأهدافٍ وضعتها. 
أم أن عمان وجدت أن حماس أقدر على إقناع حركة الإخوان المسلمين في الأردن، والتأثير على قراراتهم الداخلية المتعلقة بالتعديلات الدستورية والانتخابات التشريعية والمظاهرات الشعبية، إذ شعرت أن الربيع العربي غير بعيدٍ عنها، وأن ما أصاب غيرها قد يصيبها، وما لحق ببعض قادتها قد يلحق بهم أيضاً، إذ لا عصمة لأحد ولا ضمانة لبلد، فرأت أن حماس هي صمام الأمان ومفتاح السلامة، وأن إعادة الدفء إلى العلاقة معها يخفف من غضبة الإخوان وينسيهم بعض مواقفهم المتشددة، لحبهم لحماس، وحرصهم عليها، وخوفهم على قيادتها بعد خروجها من سوريا إثر الأحداث الدامية فيها، فقد يتنازل الإخوان المسلمون عن بعض مطالبهم إكراماً لحماس، وإيواءً لقيادتها، وحمايةً لأبنائها والمنتسبين إليها.
كثيرةٌ هي المكاسب الأردنية جراء إعادة علاقاتها بحركة حماس، فهي تتحصن بها ضد الوطن البديل الذي ترفضه حركة حماس وتخشاه عمان، وبها قد تخلق حالة توازن في تعاملها مع القوى الفلسطينية الأخرى، وقد تضبط معها الأداء الفلسطيني في الأردن ليكون فلسطينياً صرفاً لا علاقة له بمطالب الشارع الأردني، وبوجود حماس في عمان تعود فتتميز، ويكثر زوارها ومخاطبوها الدوليون، الذين ينشدون عندها الوساطة ونقل الرسائل وتبين الحقائق، وقد يطلبون منها ما لا يقوون على القيام به وحدهم أو بصورة مباشرة، وعلى قدوم حماس هلت البشائر العربية على الأردن استثماراً وإيداعاً ووعوداً بمزيدٍ من المساعدات والتسهيلات، والأهم من ذلك أن عمان لا تستطيع تجاهل تنامي قوة حركة حماس، وتعاظم نفوذها، وامتداد قوتها، وفوز حلفائها، فهي لم تعد فقط حكومة فلسطينية، بل أصبحت مثالاً عربياً يحتذى، ومفتاحاً قوياً لكثيرٍ من الأنظمة الجديدة والقوى الصاعدة، وبوابة لنيل رضا القادمين، والتأثير على الوافدين.
أما حماس فحاجتها إلى الأردن كبيرة، وقد تمنت قديماً وما زالت ألا يكون بينها وبين عمان أي أزمة، انسجاماً مع سياستها مع كل الأنظمة العربية والإسلامية، فثوابت الحركة حرصٌ على قوة العلاقة مع الدول العربية والإسلامية، وألا تدخل في شؤونها الداخلية، وحفاظٌ على أمنها وسلامتها، والأردن هو أرض الحشد الفلسطيني، وهو المطل على الضفة الغربية التي تحمل بذور مستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني، كما أن قيادة حماس في أمس الحاجة إلى مقرٍ آمن، وقاعدة متقدمة، ودولة حاضنة، تعوضها عن بعض ما فقدته، وتحقق لها الاستقرار والتميز الذي تنشده، فإن كانت غزة قد وجدت في مصر موئلاً وساحةً آمنة، فإن الشق الآخر من الوطن بحاجةٍ إلى أرضٍ قريبة، وحاضنةٍ دافئة، تبقي على جذوة الصراع مع الكيان الصهيوني، وتحقق الترابط والتواصل مع الأهل في الضفة الغربية المحتلة، وتحدث التوازن المطلوب بعد التفوق المفقود.
لا شك أن الطرفين في حاجةٍ إلى بعضهما البعض لتطابق الأهداف أو تقاطعها، وقد جاء قرارهما بإعادة الارتباط من جديد اقتناعاً أو إغراءً، طوعاً أو كرهاً، فألزمهما بإعادة نسج خيوط علاقتهما من جديد، رغم أن لكلٍ منهما أجندته الخاصة وأهدافه الذاتية التي يطمح لتحقيقها من خلال إعادة وصل ما انقطع، وربط ما انفك من علاقاتٍ قديمة، ولكن ألا تخشى حركة حماس انقلاب العلاقة وتغير موازين القوى وانتهاء الحاجة وانعدام المنفعة المرجوة، وهل تضمن ألا تطرد قيادتها مرة ثالثة من عمان، فينتهي شهر العسل، وتنقضي الأيام الحلوة، وتعود عمان مع الحركة لعادتها القديمة، وقد صدق الأولون "كيف أصدقك وهذا أثر فأسك".

CONVERSATION

0 comments: