فلسطين قيادة بلا شعب/ ماجد هديب


مع بناء السلطة الوطنية وفقا لاتفاقات أوسلو فان الأنظار كانت قد اتجهت في حينه إلى مأسسة النظام السياسي الفلسطيني مع العمل على إضفاء صفة الشرعية الدستورية على السلطة الوطنية استنادا لقاعدة الديمقراطية التي جاءت امتدادا للشرعية الثورية ,أو ما كان يعرف بديمقراطية غابة البنادق حيث كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد تطلع في حينه إلى إقامة قيادة وطنية موحدة تضطلع بمسؤولية النظام والقرار السياسي الفلسطيني في الوقت الذي كانت عيونه مفتوحة ما بين أهداف ثورة الفاتح من يناير, وسلطة تعمل على إرساء معالم دولة فلسطينية تمهيدا لإعلانها على حدود الرابع من حزيران كخطوة نحو توازن استراتيجي تؤدي إلى الدولة الفلسطينية الكاملة , إلا أن الفلسطينيين ونتيجة لأخطائهم التاريخية المتراكمة ,ونتيجة إصرارهم أيضا الإبقاء في حالة الانقسام على النفس كانوا قد خذلوا زعيمهم الراحل رغم حبهم له, وتقديرهم لتاريخه ,ورغم إيمانهم بحنكته وتخطيطه ,تماما كما كانوا قد خذلوا زعماء من قبله وقدموا فلسطين للإنجليز والحركة الصهيونية نتيجة هذا التخاذل والانقسام على طبق من ذهب , فالفلسطينيون ورغم تضحياتهم الجسام والتي فاقت كل تصور يبدو أنهم كتبوا على أنفسهم وتعهدوا على أن يبقوا بعيدون عما تقرره قياداتهم دون إستراتيجية توحدهم أو برامج يستندون عليها ,ولنا في التاريخ الفلسطيني الحديث وقائع كثيرة, إلا أن تلك الوقائع لم يحاول الفلسطينيون استخلاص العبر والدروس منها لتكون فلسطين قيادة بشعب يلتف حولها.
فقبيل الحرب العالمية الأولى ,وفي الوقت الذي كانت قوى الاستعمار قد تكالبت فيه لتنفيذ مخططاتها وصولا لأطماع تطلعوا إلى تحقيقها, فإن الفلسطينيين كانوا قد تزعموا في حينه الحركة الوطنية العربية بشكل عام والحركة الإصلاحية داخل دولة الخلافة الإسلامية بشكل خاص, إلا انه ومع بداية الحرب الأولى واشتراك الدولة العثمانية كأحد أطرافها فقد إنقسم الفلسطينيون على أنفسهم ما بين مؤيد للدولة العثمانية وداعيا لوجوب المقاتلة بجانبها وطنيا ودينيا, وما بين معارض لتلك الدولة مع تشديده على ضرورة التحالف مع قوى الاستعمار لمقاتلتها وهذا ما انعكس أيضا على الحركة العربية وقيادتها من الفلسطينيين,ومنذ ذلك الوقت, ونتيجة لهذا الانقسام ,وفي ظل محاولات الفلسطينيين الفوضوية لبلورة الهوية الفلسطينية وذلك في إطار الصدام الفكري والفعلي أيضا بين الحين والآخر, فان الفلسطينيين قد ظلوا وحتى الآن بعيدين عما تقرره قياداتهم وهذا ما كان قد أضفى صفة الشرعية على الاحتلال الإنجليزي لفلسطين كما هو حالهم اليوم عندما يساهمون نتيجة انقسامهم في إضفاء صورة زائفة لوجه الاحتلال الإسرائيلي وشرعية وجوده ,ليس لدى الرأي العام الغربي والعالمي فقط, وإنما لدى بعض القيادات العربية الرسمية أيضا.

إن حالة الفرقة والتشرذم التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم لا تعتبر انعكاسا لما قامت به حركة حماس من انقلاب ,أو انه جاء احد إفرازات هذا الانقلاب ,بل إن الانقلاب ما كان له أن يحدث لولا حالة الانقسام التي يعيشها الفلسطينيون منذ ظهور الحركة الصهيونية واتجاه هذه الأخيرة نحو تنفيذ أطماعها , حيث برز هذا الانقسام في حينه بتدخل من بعض الزعامات العربية التي كانت الدول الاستعمارية قد صنعت لها كيانات وعروش, فقد عمل هؤلاء في التدخل بقرار الفلسطينيين واتجاهاتهم بهدف حماية إسرائيل الوليدة ومنع أي اعتداء عليها من خلال تشتيت جهد الفلسطينيين وبعثرة قواهم السياسية والعسكرية , مع منعهم الاتفاق فيما بينهما على إستراتيجية يحددون فيها أهداف ثورتهم وأولوياتهم وأساليبهم ,وبذلك فان الفلسطيني قد أصبح إما رهينة لسياسة الأحلاف وشعارات العرب الثورية المخادعة واستراتيجياتهم الزائفة التي حرفت مسيرة نضاله ونالت من إرادته وخدعته ,وإما رهينة ما يطلق عليهم أنظمة الاعتدال .
ولم يحاول الفلسطينيون بوعي وإرادة منهم أو دون وعي الالتفاف حول قياداتهم لفرض معادلة ثالثة لمصلحة قضيتهم, فهل كان يمكن للإنجليز مثلا احتلال فلسطين فيما لو أن الفلسطينيين لم يتحالفوا مع الانجليز ضد الدولة العثمانية؟,وهل كان يمكن لقوى الاستعمار تمرير اتفاقية سايكس بيكو وتنفيذ معاهدة سان ريمو وإطلاق وعد بلفور فيما لو توحد الشعب الفلسطيني وتراجع عن مبايعته للهاشميين كقادة لهم وممثلين لهم في كافة المؤتمرات وخاصة مؤتمر الصلح الذي شاع في أعقابه اعتراف الهاشميين بكل ما جاء في تلك المؤتمرات الاستعمارية من مقررات بينها وعد بلفور والتعهد بالمساهمة في تنفيذه؟,وهل كان يمكن أيضا للحركة الصهيونية أن تنفذ أهدافها وتحقق أطماعها بامتلاك نسبة من الأراضي,وبتأسيس جيش داخل مستوطناتها كمقدمة لإرساء معالم دولة إسرائيل فيما لو لم ينقسم الفلسطينيون على أنفسهم في أوج ثوراتهم المتعاقبة أبان فترة العقد الثلاثيني ما بين مؤيد لمشاريع الملك عبدا لله الأول الوحدوية مع اليهود للاستفادة كما قال في حينه من أموالهم وخبراتهم وما بين معارض لها دونما أي فعل أو موقف عملي يتوافق مع خطورة الطرح ومحاولات تسويقه؟.
وهل كان يمكن للحركة الصهيونية أن تنجح في إعلان دولة إسرائيل عام 1948 فيما لو تراجع الفلسطينيون عن انقسامهم وتوحدوا خلف قيادة الحركة الوطنية في حينه وجيش الجهاد المقدس ولم يتحالفوا مع العاهل الهاشمي في شرقي الأردن ضد حكومة عموم فلسطين ولم يمنحوا ثقتهم أيضا لجيشه الذي ما كان له أن يتأسس بقيادة انجليزية صرفة وعناصر بدوية إلا لتنفيذ أهداف الحركة الصهيونية وتنفيذ سيناريو الحرب الذي أخرجه الانجليز بدقة بما يضمن انتصار الجيش الصهيوني وإعلان دولته ,حيث أثبتت وقائع ذلك السيناريو فيما بعد بل وحتى خلال الحرب دور جيش الأردن الهاشمي بإعلان دولة إسرائيل وفقا لما قاله قادة حرب فلسطين الميدانيين في مذكراتهم عن نكبة فلسطين؟, وهل كان يمكن للثورة الفلسطينية بعد حرب بيروت أن تتعرض إلى ما تعرضت له من انشقاقات ومن حرب دموية ,وكذلك للانتفاضة الفلسطينية الثانية أن تتعرض لانتكاسة وهزيمة رغم تضحيات الشعب الفلسطيني الجسام فيما لو توحد الفلسطينيون واستندوا على إستراتيجية نضالية وبرنامج سياسي واحد ولم تصبح الثورة و الانتفاضة مجرد ساحات اختبار ترى فيها الأنظمة العربية قدراتها في اختراق الفلسطينيين وتحديد نسبة ذلك الاختراق والتأثير لتعزيز أوراقها السياسية في القضية الفلسطينية كما فعل النظام السوري وما زال ؟.
أسئلة كثيرة لا تحتاج الإجابة عليها إلى الغوص في جدلية التاريخ الفلسطيني وتحليل سياسة أصحاب القرار لاستنباط الحقائق ,لان استقراء الوقائع بنظرة ميتافيزيقية يؤكد لنا صحة ما افترضناه من أن فلسطين شعب لا يؤمن بقيادته,وبأن القيادة تحتاج إلى شعب يلتف حولها لاختصار طريق النصر وتحقيق الأهداف وإنهاء التدخلات والتبعية والوصاية والاحتواء ,فماذا يعني عسكرة الانتفاضة والإصرار على الاستمرار فيها رغم ما جلبته للشعب والقضية من كوارث؟, وماذا يعني أن تنشا ميليشيات لا ماض لها أو حاضر لتؤثر بالقرار الفلسطيني ولتخلق حالة من الفوضى والتي جاءت كمقدمة لانقسام ليس سياسيا فقط ,وإنما حتى اجتماعيا واقتصاديا ما زال الشعب يعاني من أثاره النفسية حتى الآن؟.
إن الخروج من هذه الحالة يشكل أولوية مهمة وخاصة ونحن نرى القضية الفلسطينية تمر في لحظاتها الحرجة ,فإما أن يكون الشعب الفلسطيني فيها ويحقق دولته, وإما أن لا يكون ومن اجل أن يكون ويبقى الشعب الفلسطيني رقما صعبا ليجسد فلسطين جغرافيا كما جسدتها قيادته سياسيا, فانه لزاما على الإنسان الفلسطيني التحرر من أوهامه والتخلص من تلك الشعارات وكذلك التحلل من التبعية والاحتواء ووصاية الغير, مع ضرورة التخلص أيضا من الارتهان للسياسات الإقليمية التي أوهنت عزيمته وحرفت مسيرة نضاله وذلك من أجل أن يتجاوز مرحلة الانقسام وحشد كل الطاقات باتجاه إعلان الدولة وكسب التأييد لها والاعتراف بها , ففي ذلك صمام أمان لقضية فلسطين ومسيرة التحرير من خلال الالتفاف حول قيادة فلسطينية تحظى بإجماع الكل الوطني استنادا إلى الميثاق الوطني والى ما أقرته المجالس الوطنية الفلسطينية من برامج سياسية من بينها حل الدولتين, وانه آن الأوان أن يعلم الشعب الفلسطيني أيضا في ظل تساقط الدكتاتوريات العربية , وفي ظل فصائل وقوى عملت على توظيف المشاعر الدينية وتجييشها وتحويل العمل السياسي والحزبي إلى عمل تسويقي تجاري يتأسس على منطق الرابح لا المحرر بأن الإستراتيجيات الزائفة, والشعارات الثورية التي لا تغني ولا تسمن من جوع كانت قد خدعته دهراً لإبقاء الانقسام تشتيتا للجهد الفلسطيني وتمزيقا لصفوفه,وقد آن الأوان أن تتوقف أيضا تلك الفصائل عن المتاجرة بالشعب وقضيته وان تشارك بالنظام السياسي في إطار الواقعية السياسية لعدم تكرر أخطاء الماضي.
إن ما نراه من أفعال وما نسمعه من سجال ما بين مؤيد لاستحقاق أيلول ومشجع للقيادة ومحفزا لها بعدم التراجع عن هذا الاستحقاق, وما بين مشكك غير مبال ومهاجم لتلك الخطوة ومخون لمن يعمل من اجلها ما هو إلا نتيجة لغياب الإستراتيجية بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقا من عوامل تاريخية للانقسام والتشرذم, حيث أصبح هنالك خلط واضح ما بين الإستراتيجية والتكتيك, وما بين البرامج وهذا ما أدى ليس فقط إلى غياب رؤية واضحة للجمع ما بين المقاومة والتسوية , بل وحتى إلى تعميق الهوة والانقسام أيضا, كما إن عدم الاتفاق على أساليب العمل المقاوم بما يخدم البرنامج السياسي أدى بالقضية الفلسطينية إلى تراجع ليس لعقود فقط ’وإنما إلى انحسارها و لولا القيادة الفلسطينية التي استندت على علاقاتها التاريخية مع الدول المحبة للسلام والمؤيدة للشعب الفلسطيني والداعمة إلى تحرره واستقلاله, وكذلك بالاستناد إلى الرؤى المستقبلية لكانت القضية الفلسطينية في إطار التغييب الكامل ليس عن المحافل العالمية فقط,وإنما حتى عن اجتماعات العرب الرسمية.
إن إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية التي يتفق الجميع علي تفعيل دورها في إطار الإصلاح الشامل و ضبط الحالة الأمنية في مناطق السلطة الوطنية عن طريق البدء بتطوير أنظمة أمنية موحدة وإصلاح الأجهزة الأمنية المتخصصة ضمن إستراتيجية أمنية وطنية واضحة على قاعدة حفظ الأمن والنظام في المجتمع الفلسطيني، والتأكيد علي الطبيعة المهنية والتخصصية لعمل الأجهزة الأمنية بعيدا عن تدخلاتها في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة خطوة مهمة وضرورية لتجاوز الأزمة في الحياة الفلسطينية, إلا إن الأهم من كل ذلك الآن باعتقادي هو ضرورة تحديد الأولويات، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الذاتية والعائلية والفصائلية، مع استخلاص العبر والدروس من المحنة التي مر بها الشعب الفلسطيني عبر مسيرة نضاله الطويلة من اجل معالجة الأخطاء وعدم تكرارها, وان واهم ما نحن بحاجة إلى استخلاصه الآن هو أن يلتف الشعب حول قيادته مع تقديم كل الدعم والتأييد له في استحقاق أيلول عندما تذهب السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لنيل اعتراف بدولة فلسطينية مستقلة كاملة العضوية ضمن حدود حزيران يونيو 1967لان استحقاق أيلول محطة نضالية هامة تقتضي من الجميع التوحد لان ما يحصل من حراك دبلوماسي بحاجة إلى إسناد شعبي, ولا يليق بأي فصيل أن ينظر إلى تلك المحطة بعيون الريبة والشك مع التمني لها بالفشل والخذلان ,فهل يمكن لنا أن نشهد الاعتصامات المليونية من جماهير الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده لدعم القيادة الفلسطينية وهي تتقدم للأمم المتحدة بطلب الاعتراف بدولة فلسطين؟.
إن تلك الاعتصامات الشعبية, وذلك الحشد الإعلامي الذي يجب أن يكون من كافة قوى وفصائل العمل الوطني وفي مقدمتها حركة حماس هي المقدمة الحقيقية ليس للمصالحة فقط ,وإنما لان تكون فلسطين قيادة بشعب , أما إذا اختار الشعب مع فصائله أن يبقى رهينة لسياسات إقليمية ومصالح ضيقة فلن تكون لفلسطين قائمة وستبقى القيادة بلا شعب لعقود أخرى.

majedhudaib68@yahoo.com


CONVERSATION

0 comments: