جمعة (عذراً حماة سامحينا)/ محمد فاروق الإمام

إن أي كاتب مهما بلغ علو كعبه في البلاغة.. وجودة مفردات كلماته في التشبيه والمقاربة والتصوير.. ليقف عاجزاً أمام الذكرى الأليمة (ذكرى مجزرة حماة) التي تعيدنا إلى ما قبل ثلاثين سنة حيث تم جز الرقاب بقلب بارد وشفرة مثلمة الحدين إمعاناً في زيادة الألم، فما عساني أن أكتب عن هذه الذكرى وفي ذاكرتي الكثير والكثير عنها وقد عشت تلك المأساة عن قرب رغم وجودي في المنفى القسري أستقبل الفارين والناجين من تلك المأساة التي تعيدنا إلى ذكريات الألم والحزن التي تصبغ صفحات تاريخنا في مذبحة القدس عندما أجهز الصليبيون على 70 ألف إنسان بين طفل وامرأة وشيخ ورجل في صحن المسجد الأقصى، وإلى مذبحة دار السلام بغداد التي أجهز فيها التتار على نحو مليون إنسان بوحشية لا تدانيها وحشية إلا ما يفعله جزار الشام اليوم، وقد أجهز في فجر هذا اليوم على أكثر من مئتي مواطن بينهم العشرات من الأطفال والنساء والشيوخ والمعوقين ماتوا تحت الأنقاض بفعل القصف البربري على حي الخالدية في حمص.
الذكرى أليمة والحديث عنها وخز إبر.. ولكن وفاء الثوار في سورية لأرواح أولئك الشهداء الذين قضوا على يد الأسد الأب وأخيه، أبوا إلا تسمية جمعة الثالث من شباط بجمعة (عذراً حماة.. سامحينا) رغم ما هم فيه من جراحات ودماء وآلام وأحزان يعيشونها على يد الأسد الابن وأخيه، وهذه مفارقة عجيبة قلما تحدث إلا نادراً، وقد حدثت بالأمس وتحدث اليوم.. بالأمس حافظ وأخيه رفعت الأسد، واليوم بشار وأخيه ماهر الأسد!!
كما قلت الذكرى مؤلمة والحديث عنها ذو شجون.. فقد انجلت ظلمة هذه المجزرة (باعتراف مرتكبيها) عن أربعين ألف قتيل، وخمسة عشر ألف مفقود، واعتقال وسجن ما يزيد على عشرين ألفاً لا يعرف مصيرهم حتى اليوم وبعد ثلاثين سنة أهم في عالم الأحياء أم في عالم الأموات، وتهجير ما يزيد على مئة ألف انتشروا في كل صقع من أصقاع العالم وأقطاره.
وتسوية ثلثي المدينة بالأرض بما فيها من أماكن عبادة (88 مسجداً و4 كنائس) وما تحوي من دور علم وثقافة ورياضة ومستشفيات ومؤسسات ودور حكومة، ومن تراث عريق يحكي أمجاد هذه المدينة التي تعد من أقدم مدن العالم.
ولتقريب الصورة المفجعة للقارئ عن تلك المجزرة البشعة التي تتكرر مثيلاتها اليوم على يد الجزار الابن بشار وأخيه ماهر الأسد، في أجواء صمت العالم وتهربه من تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه الشعب السوري الذي يُذبح منذ أكثر من عشرة أشهر بوحشية على يد النظام السوري القاتل، الذي تجاوز كل الخطوط الحمر التي يمكن أن يتحملها عقل بشر.. أنقل ما رواه لي بعض من تمكن من الفرار والنجاة من تلك المجزرة الفظيعة من قصص مرعبة وحكايات مفزعة ومشاهد مفجعة حلت بهم وبأهلهم ونزلت بمدينتهم...
يقول هؤلاء الناجون:
داهمت مجموعة من الجنود بيت مفتي حماة الشيخ بشير المراد، وأخرجوه من داره مع مجموعة من أقربائه. وأخذوا يضربونه، ويـعفرون لحيته بالتراب، وقاموا بسحله، ثم أحرقوه وهو حي، مع غيره من العلماء أبناء الثمانين.
ويحكي هؤلاء أن مجموعة من الجنود طلبوا من الأهالي التوجه نحو سيارات الخبز في طرف الشارع. فأسرع عدد كبير من الأطفال، وكانوا بالعشرات، وحملوا الخبز وقفلوا عائدين، فاعترضهم الجنود، وطلبوا إليهم الدخول إلى الجامع الجديد، وهناك فتحوا عليهم النار، وسقطت الأجساد الطرية، وسالت دماء الأطفال على الخبز الذي كان لا يزال في الأيدي الصغيرة.
وقال هؤلاء أن الجنود كانوا يدخلون إلى الملاجئ، وينتقون الفتيات الصغيرات، ولا يعرف الأهل بعد ذلك عنهن شيئاً. وفي حمام الأسعدية الكائن في منتصف سوق الطويل، وجدت جثث كثيرة لفتيات معتدى عليهن ومقتولات، حيث ذكر شهود عيان أن الجنود أمروا بممارسة الاغتصاب المنظم وألا يتركوهن إلا حوامل، عرايا من ملابسهن.
وقصة أسرة من آل السواس في منطقة الباشورة، اقتحم الجنود منزلها، فقتلوا الزوج، ثم أرادوا الاعتداء على شرف زوجته، فقاومتهم مقاومة شديدة حتى يئسوا منها، فصبوا مادة مشتعلة (المازوت) عليها في أرجاء غرفتها وأشعلوا النار فيها فقضت نحبها حرقاً.
وأن المدارس والمرافق العامة استخدمت كسجون ومعتقلات (كما يفعل النظام اليوم)، وشهدت تلك السجون والمعتقلات مجازر جماعية، منها ما حدث في أحد السجون، إذ دخل اللواء علي حيدر (قائد الوحدات الخاصة) إلى السجن، وخاف المعتقلون في أحد المهاجع مما قد يحل بهم بعد زيارته فهتفوا بحياته، فأمر لهم بطعام وبطانيات. غير أن السجن كان تابعاً لسرايا الدفاع التي يقودها شقيق الرئيس رفعت الأسد، فجاء جنود من السرايا يحملون رشاشاتهم وصرخوا في وجوه المعتقلين بأن "لا قائد إلا الزعيم رفعت"، ثم فتحوا نيران الرشاشات على كل من كانوا في المهجع وهم نحو 90 شخصاً، فقتلوهم جميعاً.
ويروا أن قائد سرايا الدفاع رفعت الأسد أمر في 22 شباط 1982 بالنداء بمكبرات الصوت لإحضار جميع المشايخ ومؤذني المساجد وخدامها من المعتقلين في السجون، وكانوا حوالي 1000 شخص، سيقوا إلى مصيرهم المجهول ولم يعرف عنهم شيء حتى اليوم.
وأن الجنود اقتادوا الشيخ عبد الله الحلاق ابن الثمانين عاما.. اقتادوه من أحد الملاجئ مع مجموعة من أهل الحي.. وطلب منه الجنود ساخرين أن يتلو القرآن، عسى أن يجد الله له مخرجاً! قرأ الشيخ .. لكن الضابط سخر وقال له: "إن ربك لن ينجدك، لقد حانت ساعتك، وسنضعك في جهنم" واقتادوه إلى سوق الحدادين، وسكبوا عليه برميل المازوت، وأحرقوه حياً.
وحتى دكتور العيون عمر الشيشكلي رئيس أطباء العيون في سورية، وعضو مجلس نقابة الأطباء والبالغ من العمر 45عاما لم ينج منهم، فقد عثر على جثته على طريق بلدة (محردة) حيث أخذ من داره في ساعات الفجر الباكر، وأن الوحدات الخاصة قد ألقت بجثته في الشارع بعد أن اقتلعت عينيه، وقطعت بعض أوصاله وهو حي، وقد بدت من تشنجات وجهه مظاهر التعذيب الشديد الذي تعرض له قبل أن يطلقوا عليه النار ويردوه قتيلاً. وهدموا عيادته الطبية بعد أن نهبوها.

وتمركزت وحدة من سرايا الدفاع التي يقودها رفعت الأسد في مداخل المستشفى الوطني بصورة دائمة طوال الأحداث، وكان عملها أن تجهز على الجرحى، حيث تكدست الجثث فوق بعضها، وفاحت روائح الأجساد المتفسخة، فكانوا يجمعونها كل يوم في سيارات النفايات، وتنقلها الشاحنات إلى الحفر الجماعية.
وروى بعضهم أن مجموعات من سرايا الدفاع وأحياناً الوحدات الخاصة كانت تقفل شارعاً كاملاً أو حي كامل وتقوم بإخراج الرجال من البيوت ثم يأمرونهم بوضع وجوههم إلى الحائط ثم يطلقون عليهم النار.
هذه الصور البشعة لتلك المجزرة التي نعيش ذكراها تتكرر اليوم على يد الأسد الابن وأخيه وقد تفوقها بشاعة وفظاعة وهمجية، وهم يسابقون الزمن مستفيدين من كل الفرص والمهل التي تقدم لهم من العرب والمجتمع الدولي، والدعم اللامحدود من طهران وموسكو اللتان تنصبان جسراً جوياً بينهما وبين دمشق لنقل الشبيحة والذخائر وشتى أنواع الأسلحة الفتاكة لقتل الشعب السوري المسالم، الذي انتفض مطالباً بالحرية والكرامة والدولة المدنية والتداول السلمي للسلطة، وكل هذا يحصل والمجتمع الدولي عاجز عن اتخاذ قرار يوقف بموجبه شلال الدم الذي ينزف من جسد السوريين منذ ما يقرب من أحد عشر شهراً، كانت حصيلتها ما يزيد على سبعة آلاف شهيد وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والنازحين والمهجرين دون أن يلوح في الأفق أي تحرك يكف يد هذا الجزار عن ذبح شعبه!!

CONVERSATION

0 comments: