يا ليتني كنت بطريقا/ صالح الطائي

صدفة التقيت أحد أصدقائي الأعزاء الذي سبق له وأن دفع كل ما أدخره في عمره على أمل الحصول على تأشيرة دخول إلى الإمارات للعمل فيها بعد أن عجز عن إيجاد عمل في العراق الجديد ومل التسكع في الطرقات مع جيش العاطلين ولم يفلح في مسعاه الأخير لأنه لم يحصل على مكان يقبل تشغيله حتى في أردأ المهن وأحقرها لمجرد انه عراقي. وجدته ممتعضا بشدة والشرر يتطاير من عينيه وهو يردد (يا ليتني كنت بطريقا) فسألته عن سبب غضبه الغريب في بلد لا يوجد فيه ما يدعو إلى الغضب أو الغرابة، وكنت اعتقد أن الأمر يعود إلى فشله بالحصول على عمل في تلك الإمارة المحظوظة، ولكنه قال لي:تصور يا أخي أن وكالة أنباء (رويترز) أوردت خبرا مفاده أن حلبة (سكي دبي) للتزلج في الإمارات استقدمت عشرين بطريقا من مؤسسة عالم البحار في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية مع مجموعة مؤلفة من 13 خبيرا أمريكيا يتقاضون رواتبهم العالية بالعملة الصعبة للعناية بها. وإن القائمين على الحلبة والمشرفين عليها من الأخوة الإماراتيين يقدمون لهذه البطاريق أنواعا فاخرة من الأسماك لإطعامها، والأكثر من هذا أنهم استقدموا طبيبا بيطريا من إحدى الدول العربية الشقيقة جدا ليزورها بصفة منتظمة ويفحصها بشكل دوري! وهم الذين رفضوا دخولي أنا الإنسان العراقي المكافح المجاهد إلى إمارتهم التي كانت تستجدي منا أنفاس الحضارة وعطور الخير والرفاه!
ولكي أطفيء مار غضبه قلت له: يا أخي العزيز أنت أولا يجب أن تفخر بعراقيتك فأنت لو لم تكن عراقيا لما اعترضوا على دخولك إلى إمارتهم لأنهم يرفضون دخول الشم الأباة الذين لا يحنون رؤوسهم لغير الله تعالى، ويرفضون أن يمسحوا أكتاف الجبابرة مهما جاعوا، وهؤلاء يرفضون دخول أمثالنا من البشر الأسوياء بعد أن أطغاهم المال وسلب إنسانيتهم وقيمهم ناسين قول الله تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}
وثانيا هم يثبتون بعملهم هذا تبعيتهم الكلية لأمريكا التي يلعنها علماؤهم وأمرأؤهم علنا، ويقبلون أقدامها في السر، والتي بسببها ودفاعا عنها يرسلون الإرهابيين الانتحاريين ويزودوهم بالمال والدعم لكي يقتلوا الأبرياء في العراق.
وثالثا أن أمريكا تعمل جاهدة على استرجاع أثمان البترول الذي تشتريه منهم بكل الوسائل والطرق، سواء عن طريق بيع البطاريق أم عن طريق المتخصصين بالعناية بها. وهم بهذا يثبتون تبعيتهم لأمريكا وتنفيذهم لخططها.
ورابعا أنهم يثبتون بعملهم هذا بعدهم عن روح العقيدة الإسلامية فتراهم ينشئون ساحة تزلج كلفة توفير الجليد الدائم لها وليس كلفة إنشائها تكفي لإشباع شعب الصومال كله، ويستقدمون لها بطاريق القطب الشمالي بمبالغ تكفي لإشباع جياع اليمن كلها، ويمنحون القائمين على خدمتها رواتب ومخصصات تكفي لإنشاء مدارس عصرية لطلاب أفغانستان بدل مدارس الخيام، ويخصصون لها أطباء بيطريين يدفعون لهم رواتب مجزية بينما تموت الثروة الحيوانية القومية في السودان لأنها لا تجد رعاية صحية كافية.
يا صديقي: إنه البطر بعينه، والبطر طائر يرتفع بصاحبه فوق السحاب، ثم في لحظة ما يتخلى عنه ويتركه ينحدر إلى الهاوية، فتبتلعه رمال الصحراء التي جاء منها بالأمس حافيا عاريا جاهلا متخلفا ولا تبقي له أثرا، فأحمد الله أنك لست هناك خوف أن يقع على رأسك أحد الهاويين فتهلك معه.
والآن أسألك: أيهما لك أفضل، أن تموت مدفونا في رمال الغربة بعد حياة ذل ومهانة، أم تبقى مرفوع الرأس في بلد لابد وان تشمله رعاية الله فيشفى من جراحه ويتعافى من محنته ويستعيد مركز صدارته؟
لا أدري إن كان صديقي قد اقتنع بأقوالي، ولكني أدري أنه فارقني وهو يردد: يا ليتني كنت بطريقا!!

CONVERSATION

0 comments: