المبادرة الفردية ليست أنانية عمياء/ سركيس كرم

الوطن والمواطنة.. القانون والنظام.. سلامة المجتمع وحماية البيئة.. العدالة.. الفن.. الرياضة.. معرفة الحقوق والواجبات.. الواقعية.. هكذا تندرج أولويات مواطني الدول المتقدمة. اما في بلادنا، فتبدأ اولويات الكثيرين بالانانية والتباهي بالنفس والتعامي عن الكثير من الأخطاء وغياب الموضوعية في غالب الاحيان.. تلي ذلك العائلية.. المذهبية.. الطائفية.. الحي.. القرية او البلدة او المدينة.. التيار او الحركة اوالحزب او الجمعية.. ليأتي في أسفل القائمة الوطن بما يعنيه من قوانين وأنظمة...
ان مشكلتنا الاساسية تكمن في سيطرة العقلية الفردية على كافة تصرفاتنا. هذه العقلية التي  نمت معنا وكبرت وتحولت الى جزء راسخ يتحكم في تعاطينا مع الأمور الحياتية على أنواعها من جراء حاجتنا الدائمة الى السعي المتواصل للحصول على أبسط الحقوق في أوطاننا الأم حيث لا نقدر على تأمين لقمة العيش من دون "وساطة" القيادات والزعامات، ومن دون النضال اليومي بغية تأمين مستلزمات الحياة بحدها الادنى. وقد تعاظمت هذه الحالة الى حد جعل من ذلك الكفاح اليومي يتحول عند الكثيرين الى أسلوب حياة مغلوط  يتم من خلاله ممارسة "الشطارة" في ترجمتها المضللة حيث يصير كل شيء مباح تحت شعار "الشاطر ما يموت"، وهنا الشاطر، بالتأكيد، ليس من يعمل بجد وأخلاص ويلتزم الموضوعية ويحترم القوانين، بل هو من يقدر على عقد الصفقات على حساب القوانين والانظمة، وعلى حساب راحة وسمعة سائر مكونات المجتمع سعياً وراء تحصيل الثروات وكسب المواقع المتقدمة وحجز بطاقات الصدارة في مكان ما. وهو، بالطبع، ليس من يكد في سبيل توفير حياة كريمة ، بل هو من يعمل لكي يفرض سيطرته ورغباته على الغير من دون الأخذ بالأعتبار الأذى الذ ي يلحقه والصورة المشوهة التي يسوقها عن بني شعبه وعن وطنه .
وقد باتت هذه الحالة تشكل السمة البارزة والشاذة في كثير من الأحيان التي تميز تصرفات وأخلاقيات البعض في الوطن الأم وفي عالم الانتشار أذ بات من الصعب جداً على من يعانون من العقلية الفردية التمييز بين المبادرة الفردية البناءة المستندة الى العلم والفكر والمصداقية والعمل النبيل والتي تصب بطريقة او باخرى في مصلحة الوطن والمجتمع، وبين الحالة الفردية التي تفتقر الى الانضباطية والى التكيف مع المتطلبات الاساسية للمجتمعات المبنية على أسس العمل الجماعي والمؤسساتي والحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص والأعتراف بالمؤهلات والعطاءات الثقافية والفنية وغيرها..
من هنا نرى "العقلية الفردية" التي نمت وأنتشرت في أوطاننا الأم ترافقنا الى عالم الغربة، لتصبح هذه العقلية بمثابة العائق الأبرز الذي يحول دون التكيف مع المجتمع الجديد والذي يتسبب في ارتكاب المخالفات على انواعها عن قصد او عن غير قصد. واذا بنا من جراء ذلك نصطدم في العديد من المجالات مع أنظمة الدولة والمجتمع وأساليبه مما يجعلنا على تناقض واضح مع مفهوم المواطنة القائمة في شكل جذري على أحترام حرية التعبير والمعتقد وخصوصيات المواطن الآخر... 
ولن نتخلص من عقلية الانانية والتباهي وحب السيطرة والتعامي عن الحقائق إلا اذا حاولنا ان ننظر بواقعية الى تصرفاتنا وتقييم النتائج التي نجمت عنها بكل جرأة وموضوعية. كما علينا كذلك السعي وبكل تواضع للأستفادة المعنوية من الايجابيات الكثيرة التي يوفرها لنا الوطن "الثاني" ليس من اجل تحسين صورتنا  وتطوير موقعنا كجالية وحسب، وانما لكي نستطيع ان نعمل بفعالية ضمن أطار العمل الجماعي المؤسساتي ونسعى بالتالي الى تسويقه في أوطاننا الأم لعله يمهد الطريق لمسيرة اصلاحية شاقة تنطلق مع أصلاح الذات، ومن ثم تساهم في أصلاح المجتمع عبر أعادة النظر في أولوياته، وتساهم ايضاً في تعزيزالأقتناع بأن المبادرة الفردية الايجابية لا تمت بصلة الى الانانية المتعامية عن الأصول والمقومات الانسانية السليمة.

CONVERSATION

0 comments: