صراع بين الحرامية/ نبيل عودة

دولة المستوطنات. كل شيء في دولة اسرائيل يبرز او يسقط حسب الموقف من المستوطنات. حزب الليكود ملي بالمستوطنين. وزراء واعضاء كنيست يخطبون ودهم لضمان اعادة انتخابهم.احزاب يقودها مستوطنين وعلى رأسهم أفيغدور ليبرمان وزير خارجية ومستوطن . احزاب ترى بالاستيطان برنامجها الانتخابي الوحيد. تقشف الميزانيات ينتهي عند مداخل المستوطنات. زعرنات سوائب المستوطنين تجد تبريرها القانوني وتحظى بحماية جنود الاحتلال.. فهل يمكن التعامل مع اسرائيل كدولة مثل سائر الدول؟ انتقاد الاستيطان الإستعماري ومقاطعة انتاجه يثير اتهامات بالعنصرية والسامية وكأنه مكتوب في التوراة ان سرقة الأرض الفلسطينية وخيراتها عمل من اعمال الخير تضيف نقاطا تكسب صاحبها الجنة.. ويبو لي ان شعب الله المختار يتنازل عن الوصايا العشر ويستبدلها بوصية واحدة: الحق بسرقة الأرض الفلسطينية.
لا يوجد تفسير آخر للمهرجان الاستيطاني اليميني الهمجي الذي اصاب الدولة بفيروس تشريع سرقة الأرض الفلسطينية ، حتى لو ناقض قرار محكمة ما يسمى في الدولة بتسميتها السابقة، اسرائيل ، بمحكمة العدل العليا.
ليس مهما قرار الكنيست مع التشريع او ضده، حول المنازل الخمسة في ما بات يعرف باسم "جفعات هأولبنا" (تلة الأولبنا) في بيت ايل. لأنه خلاف حول شكل إغتصاب الأرض.
نتنياهو حذر بانه سيضطر الى فصل كل وزير او نائب وزير يصوت مع "قرار التسوية (وهدفه الإلتفاف على المحكمة العليا)" لأنه كما قال:" لا يمكن الاستهتار بقوة محكمة العدل الدولية في لاهاي" أي ليس احتراما لحقوق الملكية للفلسطينيين. ولما تعهد به في خطابه بجامعة "بار ايلان" عن دولتين لشعبين والتزام اسرائيل بخارطة الطريق الأمريكية.. الخ !!.
"قانون التسوية" (اسم غريب لقانون السرقة) المقترح يهدف تسهيل سرقة ارض الفلسطينيين ليس فقط في "بيت ايل" المقامة على ارض فلسطينية محتلة، بل في كل مناطق الضفة الغربية، واجبار الفلسطينيين على تلقي التعويضات المالية من الحرامي الكبير، حكومة المستوطنات.
طبعا هناك مهزلة من الصعب فهمها باطار سياسي ، وهو ان احد نواب الوزراء، نائب الوزير ايوب القرا، ابن الطائفة العربية الدرزية، من أشد المتحمسين لقانون التسوية وسرقة ارض الفلسطينيين. وكان أحرى به ان يصمت ويتفرج. ولكنه يصر على تقديم مقطع سياسي هزلي كافكائي ليفرض علينا ان ننزل قليلا عن تجهمنا.
تعهد نتنياهو ببناء عشرة منازل مقابل كل منزل يخلى في التلة، يتناقض مع تعهد حكومة اسرائيل بقبول خارطة الطريق الأمريكية للرئيس السابق بوش، التي تنص بوضوح على وقف البناء في المستوطنات، ولكن أمريكا لها دبارها. واوباما مش فاضي . انتخابات الرئاسة هي شغله الشاغل الآن، وأمريكا ليست محكمة لاهاي ...
هذا المهرجان بين مستوطنين يريدون السرقة بدون تحايل وحكومة مستوطنين تريد السرقة بتحايل قانوني، وتحايل على القانون الدولي وحتى على القانون الاسرائيلي نفسه، يوقف اسرائيل ، او الأصح دولة المستوطنات بمكانة لا تختلف عن عصابة مافيا. يسودها قانون المافيا المشهور الذي يسمى: "تقديم اقتراح لا يمكن رفضه" أي اقتراح مرفق بتصويب المسدس لرأس صاحب الملكية التي يطمع فيها رجل المافيا. تخيلوا ان يصادق برلمان دولة على قانون المافيا؟ هكذا هي التسويات حسب المافيا. الرفض يعني رصاصة قاتلة في الراس ، هذه الرصاصة لا ضرورة ليشملها نص القانون.!!
اذن المعركة ليست بين الحق والباطل.او بين المالك والسارق. بين صاحب الأرض الشرعي والمستوطن المغتصب للأرض.
في اسرائيل ضجة عظيمة،"هيصة" بالعامية الفلسطينية،. صراع لا اعرف اذا كانت تسمية الهيصة بأزمة سياسية تلائم ما يجري. اليمين الاستيطاني وغير الاستيطاني يتناحر بالكلام حتى الآن. سيعتدي اولا على الفلسطينيين، ليتمرن، وهذا نعرفه من الأفلام الموثقة التي توزعها "بتسيلم" – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة. ولكن كانت محاولات أيضا لقتل يهود يرفضون ان تتحول اسرائيل الى دولة مستوطنات ودولة أبرتهايد. والمهرجان الإستيطاني على شفير ان يتحول الى صراع حاد بين سارقي الأرض انفسهم حول اساليب السرقة، هل نسرق ببلطجية؟ ام نسرق بطريقة حضارية؟ نظهر للعالم اننا ننفذ قرارات محاكمنا ولا نقر قوانين نلتف بها على المحكمة العليا، أي اسقاط كل قيمة تبقت للقانون نزولا عند رغبات سوائب المستوطنين؟ وحكومة الإستيطان لا تنقصها الأساليب.
الخلاف لن يكون بين قوى ترفض سرقة الأرض وقوى تريد سرقتها. الخلاف كيف نسرق؟ وما هي الطرق الأقل تكلفة مالية وسياسية .
يبدو احيانا ان ما حدث في سرقة ارض "تلة الأولبنا" هو جلطة دماغية فجائية غير متوقعة من الحرامية، يجب علاجها بقسم العلاجات السياسية المكثف.ولكنه قسم مكتظ بجلطات الدماغ السياسية التي تكاثرت في اسرائيل.
القانون المقترح ينص على عدم جواز ان يقدم الفلسطيني المسروقة ارضه أي اعتراض على سرقة ارضه اذا مضى على السرقة اربعة سنوات.
هل من سبب يمنعهم من اقرار قوانين تريحهم في منامهم وتجدد ولاء اليمين لحكمهم؟
هل سيجفلون من الفتاوى العربية التي تملأ التلفزيونات والانترنت؟
هل ستردعهم الخطابات النارية في الساحات العربية ؟
هل ستضطرب دقات قلوبهم من مقالات "خلي السيف يدور" ولم يدر بكل تاريخه الا على رقاب العرب؟
تساؤلات تافه جدا ، لا توقفهم للحظة تردد واحدة!!
انهم يشرعون قوانين حسب مقاسهم. فهل ينتظر أي مخلوق ان يجري اخلاء ما يزيد عن 60 الف منزل مقام على اراض مسروقة، واعني فقط الأرض بملكية فلسطينيين خاصة وليس مجمل الأرض الفلسطينية التي صنفت مثلا بانها ارض دولة، والمعنى ارض للشعب التي ستقام عليها دولته وليس دولة المستوطنات.
حتى هرتسل ابو الصهيونية قال: "ان الهدف لهذا الشعب، ان يحظى أخيرا بمكان محمود أكثر ومحترم أكثر في اوساط شعوب العالم الحية".
ما نشهده اليوم هو العكس تماما من حلم هرتسل. ويبدو لي لو ان هرتسل يعود للحياة اليوم لأتهمه المستوطنون بخيانة الصهيونية !!
اوساط شعوب العالم الحية التي اراد هرتسل ان يتساوى معها تدلي برأيها.وهذا نموذج: نشرت "الإندبندت" البريطانية تحت عنوان ضخم :"اسرائيل جنوب افريقيا الجديدة" مقالا اشارت فيه الى تزايد الدعوات لمقاطعة اسرائيل في جميع المجالات من العلوم والأكاديميات الى الاقتصاد وشنت حملة واسعة ضد الفنانين الذين كسروا المقاطعة الفنية ، مثل مادونا وفرقة الروك الأمريكية واتهمتهم بتقديم المنفعة على المبدأ.. طبعا هناك حملات ناجحة وواسعة لمقاطعة بضائع المستوطنات تنتشر في العديد من دول العالم.هل هذا هو حلم هرتسل ؟
نتنياهو، بذكائه الذي لا بد لنا الا ان نقر له به صاغرين ، خاصة اذا قورن مع زعماء العالم العربي ،الساقطين واللاحقين، يبدو انه يلجأ بذكائه ،الى تطبيق ما تنص عليه الفلسفة المثالية، وتقول المثالية ان التجربة قائمة على اساس النشاط العقلي . نشهد انه ينشط عقليا للتملص وتطويل حياة حكومته. ولكن "ماذا تصنع الماشطة بالوجه الإستيطاني العكش؟"
أحيانا يبدو لي نتنياهو، من أنصار تيار الربوبية (من الرب) والتي تؤمن ان الكون خلق من قبل قوة عليا ، لكنها لا تتدخل في الشؤون الانسانية، تخلت عن الكون من لحظة خلقه، والشاطر الآن وشطارته. وحتى لا احرف النظرية النص يشير الى ان "الدين أضحى دين العقل" والرؤية، حسب الربوبية، ان الآخرين أغبياء بلا عقل ويمكن التصرف بحقوقهم.
النص واضح وآمل ان يستوعبه من صنفتهم اسرائيل مع قليلي العقل.
بالطبع الهيصة الإستيطانية لن تنتهي بنقل او هدم خمسة منازل من بين عشرات او مئات الاف المنازل الاستيطانية ، الفريقان المتصارعان لا خلاف بينهما على الهدف :"سرقة ارض الفلسطينيين". انما على الأسلوب.. تماما مثل الصديقيتين الحميمتين، اللواتي وصلتا للجنة في نفس اليوم . وهي حكاية نموذجية تصلح لإغلاق المقال:
منيرة ورائدة صديقتان منذ ايام الثانوية. منيرة تزوجت ورائدة تزوجت ولكنها ثكلت زوجها بعد سنوات ورفضت كل عروض الزواج. منيرة احتارت كيف تصمد صديقتها بلا زوج يمتع لياليها ويدفئ قلبها وهي تلك المرأة التي تشع جنسا واغراء لا يصمد أمامه الرجال ؟
- لا اجد الرجل المناسب.
كانت ترد باقتضاب على من يسالها ولا تضيف.. بل تبتسم مثل الموناليزا ابتسامة ساحرة تقول اشياء كثيرة ولا تقول شيئا بنفس الوقت.. يزيدها جاذبية جنسية.
في استراحة الجنة تفاجأت منيرة:
- رائدة ماذا تفعلين هنا؟
- انا مت متجمدة ... وانت؟
- مت بنوبة قلبية.
- وتركت زوجك وحيدا؟
- انها مشيئة الله
- وكيف اصبت بالنوبة القلبية ؟
- اه يا صاحبتي انت تعرفين زوجي وحبه المجنون للنساء.. كنت أشك انه يقيم علاقات مع غيري ، بل وتلقيت في يوم نوبتي القلبية تلفونا من مراقب استأجرته، أخبرني بان عشيقة زوجي دخلت البيت وانه شاهدها من نافذة البيت تتعرى وتدخل مع زوجي الى غرفة النوم.
عدت الى المنزل لأضبطه في ساعة خيانته.
كان الباب مغلقا . قرعت بقوة، بعد دقائق خلتها دهرا فتح الباب وهو بمنتهى اناقته وملابسه ويمسك جريدته اليومية في يده. صرخت بوجهه:"اين المرأة التي كنت تعاشرها؟" مثل انه متفاجئ. "المراقب شاهدها ولدي علم بها؟". ضحك منكرا ان يخونني. كنت واثقة انه كذاب. بدأت ابحث في المنزل. تحت الأسرة في الغرف ، داخل الخزائن في الحمامات، في الساحات الخلفية، في الطبقة الثانية، في العلية، نبشت الأسرة لعلها مختبئة تحت الأغطية، اعدت التفتيش وركضت للطبقة الثانية ونزلت وخرجت للساحة، وبحثت وانا علي يقين ان عشيقته مختبئة في مكان ما. المراقب أكد انها لم تخرج. أين اختبأت ؟ وفجأة لا اعرف ما جرى لي.. شعرت بوجع هائل في صدري، وها انا هنا معك.. رغم انك افضل رفيقة ويسعدني وجودك معي دائما... ولكني لا اتمنى لك الموت المبكر مثلي.. وانت يا صديقتي كيف تجمدت وفارقت الحياة.
- آه يا صاحبتي ، لو انك بحثت داخل ثلاجة التجميد لكنت اليوم اداعب زوجك بدل ان يظل وحيدا !!
هذا هو بالضبط الصراع بين المستوطنين الحرامية ودولتهم التي تريد ان تشرع الاحتلال .. لهم نفس الرغبات . ويتهم احدهما الآخر بأنه يخون حبيبته الصهيونية. فهل سيصلان الجنة سوية لأن سرقة الأرض الفلسطينية هو عمل يجازى أصحابه بالخير في آخرتهم؟ النهاية واحدة ، نوبة قلب لطرف بالغ بجنونه لمواصلة السرقة ، وعزلة دولية تجمد علاقات دولة الاستيطان ( الطرف الآخر) مع شعوب العالم الحية!!
والساعة تتكتك، او كما قال ابو مازن :"ان فرصة السلام لن تظل لوقت طويل"!!

CONVERSATION

0 comments: